الأربعاء، 22 يوليو، 2009

سقوط الأقنعة


قرية العامرة، هذه المتمنّعة أبدا، الشّامخة أبدا فوق تلّة تطلّ على البحر في استحياء، فيها ولدت وفيها ترعرعت وزاولت دراستي الابتدائيّة، كم هي غاصّة ذاكرتي بصور طفولة عذبة بين البراري والمروج وفي الأزقّة الضّيّة والشّوارع الملتوية، غادرتها لمزاولة تعليميّ الثّانويّ في المدينة المجاورة، ثمّ إلى الكلّيّة لأتخرّج أستاذ علوم فيزيائيّة، لست أدري أكان من حسن حظّي أو من نكادته أن صادف تخرّجي إقامة مدرسة إعداديّة بالعامرة، فقد تمّ تعييني مدرّسا بها، استبشر الأهل والأقارب لهذا التّعيين بقدر استبشارهم لفتح المدرسة، فرحت الوالدة لهذا الخبر، راحت تنشر الخبر بين الجيران والأقارب في زهو وفخر، كيف لا وهي انتظرت فرحة تخرّجي باعتبارها منقذا للعائلة من عيش صعب، فأهل قريتي كانوا ينظرون إلى الموظّفين على أنّهم علية القوم وأثرياؤه، شخصيّا تصوّرت ذلك، هكذا هي أوهام الطّفولة وأحلامها، ولكنّ الواقع مختلف، اتّصل بي ابن عمّ لي كان قد غادر المعهد دون مؤهّل وأخبرني أنّ أساتذة الرّياضيّات والفيزياء لهم مداخيل إضافيّة من خلال تقديم دروس خصوصيّة لأبناء الأسر المترفّهة، أجبته بكلمتين: " أين هي هذه الأسر المترفّهة ؟" فصمت، وفي الحقيقة كنت أرفض المتاجرة بالعلم، وأمقت كلّ مدرّس يشحّ بالمعلومة في فصله ثمّ يقدّمها بالمال في بيته، بين هذا الاستبشار والتّهليل باشرت عملي لسنوات خمس، حاولت فيها مقاومة الفكر الخرافيّ وغرس فكر علميّ قائم على تفسير الظّواهر والاستفادة منها، كنت كمن ينحت في صخر صلد، تغيّرت نظرة الأهالي إليّ، بعضهم اتّهني بإفساد العقول، البعض الآخر بالزّندقة، ... كيف لا وأنا أسند لكلّ طالب ما يستحقّ في الامتحانات، دون مجاملة أو دون مراعاة لأواصر القرابة، هذه الصّرامة جعلت العيون تحدجني بعين الرّيبة كلّما مررت بشوارع المدينة الضّيّقة، بل أكثر من مرّة سرت وسط وابل من الهمز واللّمز، ولكن ما يشفع لي أنّي كنت مترفّعا عن سوء الخلق وعن المسّ بأعراض النّاس وخبزهم، وهو ما جعلني أحظى ببقيّة تقدير وتبجيل، بعد هذه السّنوات الخمس أحسستني كخرطوم ماء يمرّر الماء دون أن يستفيد منه، فما ألقاه من راتب لا يكاد يغطّي مصاريفي ومصاريف العائلة الّتي أصبحت كلّ طلبات كبارها وصغارها من مشمولاتي، أحسست بضرب من الملل واللاّجدوى، فكّرت في تغيير وجهة حياتي، تهت دون أن يشعر بي أحد، بحثت عن سبيل للخلاص، ووجدته، كان ذلك ذات أمسية عندما كنت عائدا من المدينة، حيث صادفت أسرة أروبيّة تبحث عن مكان للسّهر، حاولت أن أستجمع بعض ذكريات فوصفت لهم مكانا لا أعرف غيره، شكرني الأب ومدّ لي ورقة نقديّة، أحسست بالإهانة فرددتها إليه مبتسما، تناول كنّشا وقلما من حافظة أوراقه ورجاني أن أكتب له عنواني ففعلت، دسّ الكنّش ثمّ شكر لي صنيعي وأخبرني أنّه أوّل مرّة يصادف في المدينة من يسدي خدمة بالمجان، فابتسمت ومضيت. ومرّت الأيّام ووصلتني رسالة من هذا الأجنبيّ يعرّفني فيها بأسرته وبمدينته وببلده ويرجوني أن أعرّفه بأسرتي ومدينتي ووطني، ورغم إيماني بأنّهم يعرفون عنّا أكثر ممّا نعرف عن أنفسنا فقد فعلت، وتواترت المراسلات بيننا حتّى دعاني يوما إلى وطنه لمواصلة دراساتي العليا، وفعلا وجدت الحكاية صدى في نفسي، تكفّل هو بربط الصّلة مع المؤسّسة وتكفّلت بإعداد الوثائق الضّروريّة، وكانت الأمورة ميسّرة فوجدت نفسي أدرس الفيزياء من منابعها، تخصّصت في فيزياء الفلك، فانكشفت لي بعض الأمور الغامضة حول الإنسان ومكانته في الكون، وأثر عالم ما فوق القمر بعالم ما تحت القمر، عدّة أمور كنت أعتقد أنّها خرافة ولكنّها في منطق المعرفة تلبّست بنزعة علميّة أو علميّة روحانيّة، وجدت فيها بعض متعة فتوغّلت فيها، فسبحان الّذي خلق هذا الكون وجعل له نواميس كلّما انفتحت لنا ازددنا ذهولا وتأكّدا من حكمة الخالق. أنهيت دراستي، وفي الأثناء استطعت جمع بعض مال من العمل في أوقات الفراغ، عدت إلى الوطن، ولكن بعقل جديد، لعلّه الخرافة أو جامع الخرافة إلى العلم، أمور متداخلة.

لم أعد إلى قريتي، بل اكتريت بيتا في المدينة، خصّصت جزءا منه للسّكن وجزءا كعيادة أو محلّ عرافة، وجدت النّاس ينهالون عليّ وكلّ يحمل همّا علاجه من غير اختصاصي، أحببت الغوص في هذا العالم العنيّ بالكوامن والأسرار، فمع كلّ زائر قصّة غريبة، كان المثقّفون يعودونني قبل الجهلة، فهذا له مشكلة مع حبّ قديم والأخرى استعصى عليها الإنجاب والآخر بارت تجارته وتلك لها حبيب هجرها ...

وفجأة ذكرت قريتي وحال أهلها، إنّهم لا يختلفون كثيرا عن هؤلاء، وقبل عيد الفطر بأيّام قرّرت مغامرة، فأهل القرية يزورون موتاهم بالمقابر في العشر الأواخر للتّرحّم ولعلّ البعض منهم لاستحضار ذكريات أب أو أخ أو أمّ أو حبيب ثوى، حاولت التّنكّر لكي لا يعرفني أحد، كنت مع خيوط الفجر الأولى بين القبور، وجدت امرأة ثكلى، إنّها تبكي ولدا قضى في عزّ شبابه، أخبرتها أنّه بإمكاني إعادته إليها في الحياة، استغربتْ في البداية وعندما لا حظت عليّ علامات الجدّ استدركت قائلة: " لا بنيّ اتركه ينام في قبره في سلام فقد كان ولدا قاسيا لا يحبّ العمل، يرهقني بكثرة طلباته ومصاريفه، حالي بعده أفضل، أرجوك دعه في قبره ..." واستغرقت في البكاء، ضحكت في داخلي ومضيت، وفي طريقي وجدت رجلا بين الكهولة والشّباب، يجلس واجما حذو قبر، سلّمت عليه فرفع رأسه، سألت عن فقده فأخبرني أنّها زوجته وحدّثني وعيناه مغرورقتان بالدّمع عن حبّهما وعن أيّامهما ولياليهما، وعن عشّ زوجيّتهما وعن ابنين خلّفتهما له، أخبرته أنّي أملك قدرات ربّانيّة خارقة وأنّه بإمكاني أن أعيد زوجته من قبرها إلى الحياة، حدجني بنظرة شاكّة فتماسكت، انبسطت أسارير الرّجل فأخذتني الرّيبة، ولكنّه أنقذني قائلا: "أرجوك لا تفعل، دعها ترقد في قبرها بسلام، لن يفيدني رجوعها..." استفسرته في الأمر فأخبرني أنّه ربط علاقة مع فتاة ثريّة ستمكّنه من العيش في ظروف أفضل مع طفليه، حاولت إقناعه ولكنّه أصرّ فابتسمت في داخلي وواصلت طريقي، وجدت في طريقي جماعة متحلّقين حول قبر، عرفت منهم أنّه لأب فارقهم منذ أيّام مخلّفا لهم اللّوعة والحسرة، أخبرتهم أنّي أملك هبة ربّانيّة تمكّنني من إحياء الميّت وإعادته إلى الحياة وأنّي سأفعل مع والدهم إن وافقوا، وانحبست الأنفاس، وتبادلوا نظرات فيها أكثر من دلالة، قطعت الصّمت: " أأفعل ؟" قال كبيرهم: "الوالد، رحمه الله طاعن في السّنّ ويشكو أمراض مزمنة كثيرة ولا فائدة من عودته، اتركه ينام في سلام..." تماكرتُ: "يمكنني أن أعيده دون أمراض" ساد الصّمت لحظات ثمّ نطقت إحدى بناته: " لا أرجوك لا تفعل، فأبي كان بخيلا ولطالما قتّر علينا النّفقة، اتركه أرجوك، دعه في رحمة الله" استحسن البقيّة كلامها فابتسمت في داخلي ومضيت، وفي مكان بعيد ينزوي قبر وتنحني عليه سيّدة شابّة في حنوّ، تردّدت قبل الاقتراب منها لأمر لم أدرك له معنى، ولكن تردّدي لم يطل، فقد دنوت منها في حذر كي لا أزعج قدّاسها، همست بالتّحيّة فردّت دون أن ترفع رأسها، تبيّنت من نبرتها أنّ العبرات تخنقها، عرفت فيما بعد أنّ قبر زوجها الشّابّ الّذي رحل وتركها وحيدة إثر حادث سير، أخبرتها أنّه يمكنني أن أعيده إلى الحياة بقرة ربّانيّة، فاستنكرت وأخبرتني أنّ الله وحده يبعث الأموات من الأجداث، أصررتُ على أنّ اللهّ مكّنني كما مكّن عيسى عليه السّلام، من القدرة على إحياء الموتى، حاولتْ إقناعي بأنّه مات منذ شهور في حادث أليم تحطّمت فيه عظامه، أخبرتها أنّه يمكنني إرجاعه سليما معافى، نظرت إليّ نظرة ثاقبة لعلّها أدركت منها أنّي جادّ فيما أقول فألقت لي، كمن يبوح بسرّ دفين بين الهمس والجهر: " انظر، بعد أيّام سأقبض ديّته، ولطالما عشت معه في فقر، نحن لا نملك حتّى المسكن، أيرضيك أن نعود إلى قبر الحياة، اتركه ينعم بقبره، ودعني أحسّن ظروف حياتي، فالحيّ أبقي من الميْت" ضحكت نفس الضّحكة في داخلي، مضيت ، مررت في الأثناء بحالات مشابهة ومختلفة، ولكلّ أسبابه في الحزن على الفقيد وأسباب لإبقائه في قبره، كدت أمرّ بوالدتي الّتي كانت تجلس إلى قبر جدّي، ولكنّي خشيت أن تعرفني، فكما قال القدماء قلب الأمّ دليلها، فانصرفت عائدا إلى المدينة على أن أعود يوم العيد للزّيارة والمعايدة ...

الخميس، 16 يوليو، 2009

الهوى إدمان :)


عشقت عمْري حين نِلْـ * تُ منك ما كلّ المنى

طابت مساءاتي سمــرا * أدمنت عشقا ما انثنى

قدّيـــــستي نيلوفري * كيف اخترقتِــــــــــــني أنا

سحّتْ دمــــاء واكتوى * قلبــــــي المعذّب الغنى

طاف المدى بعد المدى * شقّ الدّروب بالضّنى

كم أشتهي لحظات عمْـ * ري باللّقــــــاء كالسّنا

حنين وأنين


أخت متى شدّ العدا * رسمٌ بقلبي قد رسا

تصطنعيـــن قسوةً * أما كفــــاك ذا المسا

صوب الغمام قد همى * نوّرتني كما النّسا

رفقا هداك من هدى * طيرا بليل أغلسا

حلّ رمضان


رمضان حلّ ببَرْكة * قم للهدى ودع الهوى

أثّث زمانك بالعبا* دة وانس يوما قد مضى

فالرّوح تصدأ في غيا* به سل بذلك من قضى

نور الهداية قد بدا * يا فرحةً من قد نوى

سبّحْ بحمد إلاهك الـ * ـقدّوس نل كلَّ الرّضى

قم ليلكُ الدّاجي تفزْ * يا سعد من نال الرّضى

أمسك لسانك عن غليـ * ظِ القول كن سمح الغضى

رتّل كـلام الله ليـ * ـلاً لن يعودَ لنا الدّجى

لا تكثر الشّهوة كم بها * شَقِيَتْ بطون الأغبيا

صدّق تنل رضوان ربْـ * بك يا فتى ما يرتجى

سمرائي


سمراء لا تصحو النّجوم دونها * تربّعتْ بالقلبِ كيف أخونها

سحر العيون فيضُ طيفٍ قدْ بَدَا * للرّوح فاستباح من سنينها

عنــــــــد المساء بلسم للجرح حيـ * ـن قلّ صاحٍ بالفضا أنينها

عذوبة الكلام أم عذب الرّحيـ * ـق السّاحر الأُمْلُودِ كيف صوْنها

شقّتْ طريق القلب كيف وصلها * والبعدُ أميالٌ أماتُ حينها

حصاد اللّسان أو عاقبة التّهوّر


كان الجوّ غائما بالخارج، فخيوط المطر حوّلت بقايا الطّريق بركا ومستنقعات، لقد آوى أغلب النّاس إلى بيوتهم، في حين خيّر العربيّ وثلاثة من أقرانه تقاسم متعة لعب الورق بأحد المقاهي، لقد لعبوا أكثر من مباراة، وكان من يحقّق انتصارا يزهو ويفخر على الأصدقاء زهو طفل ينجح في لعبة مستعصية، كان كلّ واحد منهم يشعر بتحدّ رهيب لأقرانه وكأنّه المسؤول عن سحب الأوراق، والحال أنّها لعبة شيطان أو لعبة صدفة، أحسّ العربيّ أنّ الحظّ لا يحالفه اليوم، فقد هرمه السّيل الذّهاب إلى العمل، وحرمه إبليس الورق متعة زهو انتصار وهميّ، تلاعب الشّيطان بدماغه حين رفع أحد الأقران صوته مزهوّا بالانتصار، لم يتمالك نفسه، رماه بالورق فاستشاط غضبا، وحاول ردّ افعل بصفعه، أحسّ العربيّ إهانة مضاعفة فرمى خصمه بقلم كان يستعمل لتسجيل النّقاط، حميت بينهما الحرب الكلاميّة، ووجّه كلّ منهما لصديق الأمس عدوّ اليوم وابل من أحطّ النّعوت، ثارت ثائرة العربيّ فتوعّد خصمه بالقتل إذا ما انفرد به، تدخّل بعض زبائن المقهى لفضّ المناوشة ومضى كلّ إلى سبيله غير آبه ببقايا أمطار نازلة من السّماء وأخرى متجمّعة على الأرض...
ومن الغد أفاقت القرية الوديعة على سماء صاحية وبقايا أوحال تغطّي أجزاء من الطّريق، ولكن أفاقت على فاجعة، إذ عُثِر على خصم العربيّ مقتولا عند الوادي، وسرى الخبر سريان النّار في الهشيم، تذكّر من حضر الواقعة الخصومة، وكيف توعّد العربيّ خصمه بالقتل، وزاغت الأبصار وتواتر الهمس " أتراه فعلها العربيّ ؟" فيأتي الجواب تارة " لا يفعلها، إنّه لا يقوى على قتل حشرة ، والله أعلم " وطورا " لقد سيطر عليه إبليس لعنه الله، ففعلها، يا للمسكين قد يواجه الإعدام ، ربّما يكون ترصّده حتّى انتحى جهة الوادي فقتله" وكما أن الأخبار لا تخفى على مأمور القرية، نقل أولاد الحلال الخبر إليه، فكانت سيّارة الشّرطة تقف أمام بيت العربيّ فيطوّق الأعوان المنزل ، ويقرع أحدهم الباب بقسوة، تطلّ أمّ العربيّ فيدفعها، يجتاز الباب إلى الغرفة، لعلّ من أخبرهم قدّم لهم كلّ التّفاصيل عن العربيّ وعن بيته، دخل عليه الغرفة وهو نائم، خاطبه بغلظة: "انهض ايّها الوغد، قضّيت ليلك في القتل وها أنت تستريح من تعب البارحة، انهض قبل أن أهشّم رأسك" تقع الكلمات على العربيّ وقع السّياط، ينتفض ساعلا: " ما الأمر ؟ ماذا حدث؟ إنّي مصاب بنزلة زكام..." لم يمهله الشّرطيّ بل عاجله بصفعة كاد يردّها العربيّ لولا أن تذكّر أنّ من أمامه لا يرحم وأنّ ما ينتظره بالمأموريّة أخطر، تحامل على نفسه ونهض، وضع ما وجده حذو سريره من ملابس ثمّ اقتاده مخاطبه إلى الخارج دون أن يسمح له بغسل أطرافه ولا شرب قهوة الصّباح، وردّد الأهالي "العربيّ قاتل، لقد قتل نفسا بغير حقّ أكيد أنّهم سيشنقونه" . حاول العربيّ أثناء التّحقيق إقناع المحقّق بأنّه لم يغادر بيت أسرته من الأمس بسبب زكام ألمّ به لمّا غادر المقهى دون اكتراث لتغيّر درجة الحرارة بين الدّاخل والخارج، لكن دون جدوى، فكلّ من حضر الواقعة أكّد أنّ العربيّ هدّد خصمه بالقتل، وكان ذلك كافيا لتوجيه تهمة القتل إليه وإيداعه السّجن بانتظار المحاكمة ...
انتهت


كان برد الشّتاء يعذّب جلد كلّ من يجرؤ على الخروج من بيته، فالسّماء تلبّدت بسحب دكناء دون أن تمطر، كنت ترى النّاس يهرعون إلى بيوتهم خشية أمر قد يحدث فجأة، فسماء غزّة صارت غير آمنة، وجحافل جراد العدوّ قد يلقي فضلاته الماكرة في كلّ حين دون رأفة بشيخ أو رضيع أو امرأة أو طالب علم خرج ليكرع من مناهل المعرفة، في هذا الجوّ الرّهيب، وفي هذه المتداخلات، آويت إلى بيتي، فإذا زوجتي قد أعدّت لي حساء دافئا، لا يقلّ دفءا عن مبسمها اللّطيف عند اللّقاء، تحلّقت وأبنائي السّبعة والوالدة الّتي نخر المرض جسدها الهزيل مع فقدان الأدوية والخدمات الصّحّيّة، فما أكثر الأعداء في هذا الزّمان! ... أخذت زوجتي توزّع علينا المأكول الدّافئ، كلّ ونصيبه، كانت عيون الأطفال تلمع بريقا وأملا يبدّد وحشة هذه الحياة، وتوحي بأنّ الغد سيكون أفضل مهما قست الظّروف ... فجأة رنّ الهاتف، تركت الجماعة وقصدت غرفة الجلوس، رفعت السّمّاعة، فإذا صوت عبريّ مقيت يتناهى إلى مسمعي دون تحيّة ولا أدب، تكلّم بلغة آل صهيون في البداية، ثمّ بعربيّة سيّئة النّطق والتّركيب، فهمت أنّهم يطلبون إليّ إخلاء المنزل، لأنّهم سيقصفونه، ابتسمت ابتسامة ساخرة، فليست هذه أوّل مرّة يطلب منّي هذا الأمر، علّقت السّمّاعة غير عابئ بتهديدهم، عدت أدراجي إلى العائلة فإذا الجميع في وجوم وعلى الوجوه أسئلة لا تجرؤ على مغادرة الحلق، همست: " كعادتهم المقيتة، يطلبون إلينا إخلاء البيت لأنّهم سيرمونه بالقنابل، أكيد لن نفعل، فمن يغادر بيته يغادر وطنه تبعا لذلك، فيستباح الكلّ" تجهّمت الوجوه وساد قلق وصمت، أنقذت الموقف قائلا: " لا عليكم فهذه لعبة آل صهيون، وهذا مكرهم، لا تخافوا، فالله معنا" وجلست إلى المائدة، التفتت زوجتي حولها ثمّ همست:" أرى أنّك قد نسيت شراء الخبز" ضربت بكفّي على جبيني، ثمّ تلحّفت بما يقيني البرد، واعدا بإحضار الخبز حالاّ، وخرجت، فإذا خيوط الظّلمة تبدّد النّور، وتحاول الاستبداد بالشّارع المظلم، فقد فرضوا علينا العيش في ظلام ومنعونا النّفط، فاضطرّت البلديّة إلى الاقتصاد في الكهرباء، كانت بعض الأنوار الشّحيحة تنبعث من دكاكين الحيّ، قصدتها فلم أجد خبزا، اضطررت إلى الانتقال إلى حيّ مجاور، فآخر، فآخر، وأخيرا حصلت على حاجة أسرتي منه، قفلت راجعا الهوينى، كنت طوال الطّريق أتساءل عن المصير الّذي ينتظر أهل غزّة، ففي كلّ يوم تحلّ المصيبة بعائلة وعائلات والعالم يتفرّج وكاميراهات الصّحفيّين تسجّل الأحداث لتنفرد به هذه القناة أو تلك في نشرات أخبارها، فتحصي عدد الشّهداء والجرحى والمشرّدين، كنت طوال الطّريق أستجمع ذكريات أفراد قتلوا ولا ذنب لهم سوى التّشبّث بديارهم وأراضيهم وحقّهم في العيش الحرّ الكريم في وطن يحمل هوّيّتهم ويصون كراماتهم، وما أكثرهم ... وفي زحمة هذه الأفكار والذّكريات والتّساؤلات، تناهى إلى مسمعي صوت أزيز محرّكات، بدا الصّوت ضعيفا ثمّ أخذ في الاشتداد، تلفتُّ حولي، لم أر شيئا، استطلعت السّماء، فإذا طيور معدنيّة تأخذ بالاقتراب، تجاوزتني، وما هي إلاّ لحظات حتّى تعالى صوت الانفجارات، انقبضت نفسي وهمست في داخلي:" لعلّهم نفّذوا تهديدهم، أبناء الأوغاد" ، أسرعت الخطى، وكأنّي ظامئ في الصّحراء يبحث عن نبع ماء أو عن واحة ظليلة تقيه لظى القيلولة ...
ما كدت أصل الحيّ حتّى رأيت القوم يهرعون صوب بيتي، ومنبّهات سيّارة الصّليب الأحمر تقصد المكان، اقتربت فإذا البيت تحوّل كومةً من ركام اختلط فيها كلّ شيء بكلّ شيء وتحوّل الحيّ إلى جماد، وسارع شبّان إلى رفع الأنقاض علّهم يعثرون عمّن يتنفّس بينها، رأيت بعد ذلك أشلاء أجسام أطفالي وزوجتي ووالدتي ترفع على المحفّات، إنّها أرقام جديد تزداد إلى عدّاد الضّحايا، أحسست بأوجاع في كلّ جزء من جسدي وروحي، وددت لو أنّ لي طاقة جبّارة لأسحق القتلة، لكن، لا يجرؤون على النّزول إلى الأرض، بل يمارسون عدوانهم من مسافات عالية، انهرت وكدت أسقط، فسارع إليّ جمع من الجيران يشدّون إزري ويصبّرونني، لقد كانت كلماتهم بلسما لجرح قديم جديد، فقد عشت مؤمنا بالله وبقضائه خيره وشرّه، وفي هذه الظّروف امتدّت لي يد الجار أبي أحمد، لملم ما بي من ألم بكلمات تعلن عن التّحدّي والصّمود، ثمّ اصطحبني إلى بيته، فأدخلني، وأحضرت لي زوجته إناء به ماء دافئ لأتوضّأ وأصلّي المغرب قبل أن يدخل وقت صلاة العشاء، صلّيت فخفّ ما بي من حزن، ثمّ وجدت الجار يدعوني إلى الرّاحة في غرفة الضّيوف، فالغد به مشاغل كثيرة ووكدها دفن شهداء العائلة .دخلت الغرفة وبرأسي فكرة: دوني كرامتي وعرضي، فالحرّيّة تحتاج ثباتا وباء وتضحيات، فلا شيء يهدى ، وعلينا أن لا نترك مصيرنا لعبة بأيدي القتلة، وليكن ما يكون.
انتهت

(: لأنّي إنسان وهي إنسانة :)



عالم غريب هو هذا العالم الافتراضيّ، ففيه فيض من المعلومات في شتّى مجالات العلوم والحياة والتّكنولوجيا والآداب، وكلّما أبحر الواحد منّا فيه، كان كمن يشرب من ماء بحر أجاج، كلّما شرب منه ازداد ظمأ . تكشّف لي هذا العالم منذ سنوات عشر، إذ كنت أرتاده لإنجاز بحوث أو للبحث عن معلومات تخصّ عمليّ، وبين الفينة والأخرى كنت أرتاد أفضية الحوارات والاتّصال أو ما يعرف بأفضية الدّردشة، فأدخل غرفا حسب ما يرتادني من نزوات، فتارة تجدني أدخل غرف هواة الموسيقى، وأخرى غرف الفنون الجميلة، وأخرى غرف النّقاشات السّياسيّة، وأحيانا غرف التّعارف وربط العلاقات بين الجنسين ... وذات مرّة دخلت إحدى غرف "حوار الحضارات" فوجدت مجموعة هامّة من الشّباب العالميّ يناقشون قضايا العولمة والإرهاب، كان الجميع يتطاولون على الإسلام والمسلمين بمن فيهم شبّان يحملون أسماء عربيّة، تردّدت قبل الإدلاء بدلوي في الموضوع، فلطالما مثّلت مثل هذه الأمور نقاش صمّ، أي كلّ واحد له فكرة قبليّة كوّنها نتيجة إعلام مغلوط أو حدث عاشه أو وقع أمر من الأمور عليه أو على وطنه أو نتيجة أمور أخرى معقّدة ومتشعّبة، لم يطل تردّدي، ولم أحاول اتّخاذ موقف بعينه، بل طرحت في درج النّقاش تدخّلا في شكل استفسار: "من منكم يحدّثنا عن الإسلام؟" وانهالت عليّ الرّدود البعض يسألني إن كنت مسلما، البعض الآخر يسألني عن كيفيّة الانضمام إلى جماعة القاعدة، والآخر يتحدّث بجهل فاضح عن الإسلام والمسلمين مستظهرا شعارات جوفاء لطالما ردّدها إعلام غربيّ له شواغله وغاياته الّتي لا تخلو من عداء لأمّة العروبة والإسلام، وللأسف، نجد بعض مثقّفينا أو أنصاف مثقّفينا لقفوها واستنسخوها ورفعوها إمّا تملّقا للغرب أو تنصّلا من أصولهم، كانت مداخلتي بعد ذلك حول تعريف الإسلام وبيان كونه مشتقّ من السّلام ، وأنّ المسلم من سلم النّاس من يده ولسانه، وأنّ المسلم هو إنسان مسالم ومؤمن وإيمانه يمنعه من إيذاء النّاس بقول أو عمل، تغيّرت بعض المواقف تغيّرا تختلف درجته من محاور إلى آخر، فالبعض نعتني بالسّفيه مستشهدا ببعض الأعمال والتّفجيرات المحسوبة على المسلمين، والبعض الآخر دعاني إلى مزيد توضيح مبادئ الإسلام، وتحوّلت إلى شبه فقيه على محدوديّة تكويني في هذا المجال، حاولت الرّبط بين آثار بعض التّصرّفات وما يعانيه الإنسان من أمراض نفسيّة وجسديّة وبين الإسلام باعتباره نظام حياة قائم على الموازنة بين طمأنينة النّفس وراحة الجسد والتّنعّم بما خلق الله لنا من نعم، ولتدقيق كلامي تحدّثت عن مرض فقد المناعة المكتسبة أو ما يعرف بالسّيدا أو الأيدز، وما يمثّله من خطر على حياة الإنسان مبيّنا أنّ من أسبابه الحياة الفوضاويّة كالإقبال على العلاقات الجنسيّة المتعدّدة ، وتعاطي المخدّرات وبعض الأمور الشّاذّة، حاجّتني شابّة كنديّة بأنّنا أي الأفارقة مصدر هذا الدّاء لإهمالنا الجوانب الوقائيّة وجنوحنا إلى علاقات جنسيّة شاذّة مع القرود وبعض الحيوانات الأخرى، لم أرد الدّخول معها في جدل عقيم قد يتحوّل إلى حوار عنصريّ أو حوار صمّ، فقط قلت لها بلطف:" راجعي تاريخ ظهور هذا الدّاء ومواطنه" ومضيت ، في الأثناء دعتني إحدى الشّابّات البريطانيات إلى حوار خاصّ على المسّنجر لأنّ لها أمورا مخصوصات تريد محاورتي فيها، كان اسمها "كاتي" ، غادرت غرفة النّقاش لأتفرّغ إليها على المسّنجر، دام الحوار بيننا وقتا طويلا، وقد عرفت منه أنّها سمراء البشرة تنحدر من أصول إفريقيّة وأنّها على دين المسيح وأنّها معجبة بما طرحته من أفكار، وتحوّل الحوار بيننا إلى ما يشبه إعجاب وانجذاب، رغم أنّ فرنسيّتها ضعيفة وأنجليزيّة أضعف وأضعف، فقدْ نجحنا في التّحاور مع تقدير واحترام كلّ منّا للآخر، لم أدر كم دام الحوار، فقد نسيت كلّ حاجاتي البشريّة والبيولوجيّة، وأصاب عينيّ ما يشبه العشاوة بمفعول الإشعاع الضّوئيّ المنبعث من شاشة الحاسب، وأحسست آلاما في الظّهر، ولم أجرؤ على إيقاف هذا الحوار اللّطيف، وفي الحقيقة انتظرت أن تقطعه هي، فلم تفعل، وفجأة كتبت لها " كاتي ، ألا تشعرين ببعض إرهاق" ردّت بالإيجاب وتعلّلت بأنّ لطف حديثي قد شغلها عن ذلك أو أنساها متاعبها، اعتبرت ردّها لطفا وديبلوماسيّة منها، ولست أدري من كان منّا يتّصف بهذه الدّيبلوماسيّة، رجوتها أن ترتاح ، فقبلت وحدّدنا موعدا للالتقاء مجدّدا على المسّنجر، والتقينا مرّة ومرّات افتراضيّا، بل أحسست أنّي قد أدمنت لقاءها ومحاورتها، فعبّرت لها عن ذلك فوجدت أنّها تحمل نفس المشاعر، ومع مرور الأيّام والأسابيع مررنا من حوار ثقافيّ إلى حوار عاطفيّ وجدانيّ تؤثّثه لواعج الشّوق والتّوق إلى اللّقاء، كان هذا الإحساس متبادلا، فتبادلنا الصّور الرّقميّة لعلّ الواحد منّا يجد فيها عزاء إن دخل الشّبكة ولم يجد الآخر عالقا فيها ! ومرّت الأشهر وجاءت عطلة الصّيف، فوجدت صديقتي تعبّر لي عن رغبتها في زيارتي في وطنيّ، وتدعوني إلى حجز غرفة لها في أحد النّزل القريبة من وسط المدينة، أعلمتها أنّ الحجز من لندن أقلّ ثمنا من الحجز المباشر من بلديّ فتعجّبت، فكّرت مليّا ثمّ اقترحت عليها الإقامة معي في بيت العائلة، فتساءلت إن كانت أسرتي تسمح بذلك، أخبرتها أن لا حرج في الأمر، فاندهشت، ولست أدري ما سبب اندهاشها؟! بعد أسبوع أعلمتني أنّها حدّدت موعد السّفر إلينا وأنّها حجزت مكانا بالطّائرة، أحسست بعض الاضطراب خاصّة وأنّي لم أعلم أحدا من أفراد العائلة بذلك، فهل ترى يقبل الوالد ذلك ؟ أنا لا أجرؤ على محاورته في الأمر، بل كانت كلّ طلباتي تمرّ عبر "وزير الدّاخليّة" أي الوالدة، خاطبتها في الأمر، فلم تعطني إجابة بالرّفض أو القبول، بل أرجأت ذلك إلى ما بعد مفاتحة أبي فيه، ومن الغد صباحا بادرتني قائلة: "لقد وافق أبوك على طلبك على أن تبيت الضّيفة مع أختك الصّغرى في غرفتها دون أن تقترب منهما" استغربت من ذلك قائلا: " طبعا، فهي لن تقيم بغرفتي" ربّتت على كتفي وابتسمت ثمّ مضى كلّ منّا إلى وجهته ...
ومرّت الأيّام ووجدتني بالمطار أستقبل هذه الصّديقة أو الحبيبة، لقد كان أوّل لقاء بيننا محتشما، فما أصعب أن تمرّ من عالم افتراضيّ قائم على التّصوّر والخيال إلى عالم حقيقيّ بما يعنيه من واقع ومادّة ! وفي الحقيقة وجدتها أروع، فهي جمعت بين سمرة إفريقيّة تمريّة أي تشبه لون التّمر النّاضج، وبين القسمات الأروبيّة الرّقيقة، أحسست بشيء داخليّ يهفو إليها، ولكنّي تماسكت، كانت كلماتنا طوال الطّريق عن السّفر ومتاعبه ولذّاته، سألتني أسئلة كثيرة إمّا في فرنسيّة مكسّرة أو في أنجليزيّة لا أفهم منها الكثير، كنت أرجئ الإجابات ، وأركّز على تعليمها بعض الكلمات العربيّة، حتّى تحيّي بها العائلة، وصلنا البيت ، قدّمتها لمن كان متواجدا به من أفراد، اصطحبتها شقيقتي الصّغرى إلى غرفتها لتنالا قسطا من الرّاحة وربّما للتّعارف خاصّة وأنّها تحذق اللّغة الأنجليزيّة، شاركتنا كلّ أنشطتنا من غداء وعشاء وسمر، ومن الغريب أنّنا بداعي مراعاة شخصها ضبطنا التّلفاز على قناة عربيّة تبثّ أفلام حركة بالأنجليزيّة ، ولكن فوجئنا برغبتها في متابعة قناة عربيّة تبثّ بالعربيّة، وتجنّبا كلّ إحراج قنوات الكليبات والأفلام، اختارت شقيقتي قناة دينيّة، ومن حسن الحظّ أن كانت تبثّ برنامجا حول القرآن الكريم باللّغتين العربيّة والأنجليزيّة فلاحظت أنّها كانت تتابع بانتباه تلميذ يخشى أن تفوته كلمة من محاضرة يتوقّف عليها نجاحه، وانتهت السّهرة سريعا فضيفتنا تحتاج راحة بعد مشاقّ السّفر، وكثرة أسئلة شقيقتي الّتي حرمتها من القيلولة.
ومن الغد اصطحبتها وشقيقتي الصّغرى وشقيقي الأصغر إلى الشّاطئ، فعبّرت عن إعجابها بصفائه ونظافة رماله، واستمتعت بالسّباحة تارة معي وطورا مع شقيقتي، وفي الأثناء سألتني عن هذا الاختلاف الصّارخ بين النّاس عندنا، فهناك من يسبح بثياب سباحة كاشفة وهناك من يلبس ملابس لا تكشف من الجسم إلاّ ما لا يمكن ستره، أخبرتها أنّ كلّ واحد يمارس قناعاته، ولكن قد تكون العقول في باطنها متشابهة ... وخلوت إليها، فهمست لها:" أتعرفين شيئا ؟"
جحظت عينيها فأردفت: "أحسّ كأنّي أعرفك من سنوات" ابتسمت في دلال فأضفت: " أحبّك كاتي" تصلّبت قسمات وجهها فجأة وردّت في فرنسيّة مفكّكة الأوصال: " يجب أن لا تحبّني" تملّكني شعور غريب ينوس بين الحيرة والاستياء حاولت إنقاذ الموقف فسألتها: " ولِمَ ؟" تعلّلت بأنّها لا تستطيع إجابتي، وغيّرتْ الموضوع ولكنّي أصررت إلحاحا ولججت في السّؤال فأجابتني إجابة أكثر إبهاما من الأولى: "ليس لكلّ سؤال إجابة، ولكلّ أمر أوانه" أحسست بضرب من الخجل أو لعلّها كرامة الرّجال والتّعفّف جعلتني أتخلّى عن هذا الإصرار، غيّرت الموضوع إلى الحديث عن العادات والتّقاليد واختلافها بين لندن ومدينتي، وجدت أنّها لا تجد اختلافا كبيرا في المظاهر ولكنّها لاحظت اختلافا في العقليّات من خلال حديثها إلى أفراد أسرتي. ومرّ الوقت سريعا بين السّباحة واللّهو بالكرة داخل البحر، عدنا إلى البيت، بعد الاستحمام والرّاحة، لاحظت أنّ شقيقتي استأثرت بضيفتي، سرى في نفسي إحساس بالغيرة، وهمس صوت في داخلي: " لو تركتها تحجز في نزل لأمكنك الاستئثار بها لنفسك" وتبسّمتُ لذلك، فصديقتي صارت لصيقة بشقيقتي وكأنّها نسيت وجودي أو تناسته، فتراهما تخرجان معا وتتحاوران أمامي بلغة أنجليزيّة لا أفهم منها الشّيء الكثير، وذات مرّة كنّا نتجوّل في أحد المتاحف ففاجأتني بقولها: " أريد أن أصبح مثل شقيقتك" تملّكتني حيرة واستفسرتها: "لم أفهم قصدك" أوضحت بعفويّة: "أريد أن ألبس مثل لباسها وأقوم بحركات مثل حركاتها" فهمت أنّها تريد أن تتحجّب وأن تصلّي فقلت لها: "قبل أن تلبسي مثل لباسها وتصلّين مثل صلاتها يجب أن تدخلي في دين الإسلام" فدحرجت رأسها بالموافقة وأضافت: "لقد حدّثتني أختك كثيرا عن ذلك وأعجبني، أين أجد شيوخكم لأدخل في الإسلام؟" تبسّمتُ قائلا: "في ديننا لا توسّط بين الإنسان وربّه فالعلاقة تمرّ مباشرة من قلب المؤمن إلى خالقه، يكفي أن تعلني إسلامك، مع الاقتناع التّامّ ثمّ تتّبعين ما أمرك الله به وتنتهين عمّا نهاك عنه" فلمعت في عينيها نظرة رضا، وأضفتُ: " اللّيلة سنساعدك في ذلك، ستجتمع العائلة وتحتفل بانضمامك إلينا" فتبسّمت ابتسامة من وجد الماء بعد ظمإ طويل .
وفي المساء اجتمع أفراد الأسرة فلقّنّاها الشّهادتين وتكفّلت شقيقتي بترجمتهما، وحدّثناها عمّا يجب عليها أن تتحلّى به من خلق فالإسلام ليس مجرّد لباس وحركات بل هو إيمان يصدّقه العمل الصّالح والقول الصّالح، عبّرت ضيفتنا عن رغبتها في تعلّم العربيّة لتقرأ القرآن بمعانيه الأصليّة ووعدتنا بالتّسجيل في معهد اللّغات بلندن بعد عودتها، وسرّت كامل العائلة لما صدر عنها، وفي الأثناء همست لي والدتي ببراءة: " أي بنيّ ليتك تتزوّجها" رفعت كتفيّ ولم أجب فلا هي فهمت ولا أنا فهمت، ومن الغد أصبحت كاتي ترتدي حجابا وتؤدّي الصّلوات مع شقيقتي الّتي ساعدتها طويلا، وصارت تتحاشى الاختلاء بي ولو للحوار وقد علمت من شقيقتي أنها هي من لقّنتها كون اسلام يحرّم الخلوة بين الرّجل والمرأة، وأنّه عليها أن لا تسافر مستقبلا دون أن تكون مرفوقة بأحد محارمها، فتملّكني شعوران متناقضان أوّلهما الفرح باعتناقها دين الإسلام وثانيهما ألم لتحطّم إحساس بنيته في عالم افتراضيّ، وبين هذا وذاك حيرة لمنعها حبّي إيّاها وهو سؤال ظلّ عالقا ، ولم أعرف إجابته إلاّ يوم مغادرتها حيث رافقتها إلى المطار صحبة كلّ أفراد العائلة، بما في ذلك والدي، وقد فاجأتني أمام الجميع: " لقد عبّرت لي عن حبّك في أيّامي الأولى ، ورجوتك أن لا تحبّني لأنّ حبّي وحبّك لن يثمر ، فأنا حاملة لفيروس الأيدز، ويمكن أن أعديك" تملّكني خجل رهيب وتصبّب العرق من كامل جسمي وجفّ الرّيق في حلقي،فقد جحظت عيون بقيّة أفراد الأسرة، من فهم منهم قولها ومن لم يفهم، لقد كانت كلمة الإيدز مستهلكة إعلاميّا، ولكنّي تفهّمت الآن الأمر، فهي إنسانة وأنا إنسان .
انتهت


أدمنت منذ سنوات ارتياد الشّبكة العنكبوتيّة، فلطالما ارتدتها بحثا عن معلومة في إطار الدّراسة أو العمل، كما مكّنتني من تكوين شبكة علاقات وصداقة مع شبّان وشابّات من مختلف أصقاع الأرض ومن مختلف الحضارات، ولكم وقعت لي مع الكثير منهم من التّوتّر بسبب اختلاف وجهات النّظر أو التّموقع إزاء حدث عرفته البشريّة من استنساخ إلى قضايا الشّعوب المضطهدة مرورا بقضايا حضاريّة وفلسفيّة وأدبيّة، ولكن هذه التّوتّرات تنتهي في الغالب بصداقات وفي حالات نادرة بقطيعة، فأنا إنسان آمنت منذ صغري بكون لكلّ إنسان وجهة نظر لا تخلو من الوجاهة وفق مرجعيّاته وزوايا نظره، فلم أطرح على نفسي تغيير العالم، وإنّما الوقوف على مدى قدرتي على سوق أفكاري وإقناع الآخر بها، وأيضا الوقوف على مدى قدرتي على تفهّم وجهات النّظر المخالفة .
منذ أيّام فتحت بريدي الإلكتروني، فلفت نظري رسالة من شخص لا أعرفه، وما دمت أميل إلى توسيع دائرة صداقاتي، فقد بادرت بفتحها فإذا بها دعوة إلى التّسجيل بمنتدى جديد يهتمّ بقضايا فكريّة سياسيّة، تردّدت في البداية إذ سبق لي أن سجّلت بأكثر من منتدى ولكنّها كانت أشبه ما تكون بزبد يظهر فوق سطح الماء ثمّ يذهب جُفاءً، قليل هي المنتديات الّتي استمرّت، وبحركة من فأرتي ضغطتّ على الرّابط، تجوّلت بالمنتدى قبل أن أسجّل، فكان بديع العرض والتّنسيق، غير أنّ الحركة داخله تكون منعدمة، وطغت عليّ الرّغبة في التّسجيل به ففعلت، ووصلتني رسالة المدير تعلمني بإمكانيّة الشّروع بالمشاركة توّا، دخلت بعض المواضيع فكانت تكتسي قيمة راقية على ندرتها، أدليت بدلوي في أغلبها، ثمّ فتحت موضوعا جديدا حول الموازنة بين الحقّ والواجب، ومدى مساهمتهما في رقيّ المجتمعات، ثمّ فتحت دفتر العناوين ببريدي الخاصّ ورحت أرسل دعاية لهذا المنتدى لكلّ الأصدقاء العرب طبعا، لأنّ المنتدى عربيّ، قطعت بعد ذلك الاتّصال بالنّت، وأطفأت الحاسب، وعدت إلى عالمي الحقيقيّ بما فيه من تفاعلات مادّيّة وتناقضات منها تتأسّس الحياة .
مضى يومان لم أدخل فيهما المنتدى الجديد، فالوقت بالكاد يكفي لإنجاز أعمالي وواجباتي إزاء أسرتي وعملي، ودخلت، فوجدت رسالة من المدير تقترح عليّ تولّي الإشراف على منتدى الفكر الدّيمقراطيّ، لم أتردّد طويلا، بل قبلت الأمر، فهذه اللّعبة تروقني، افتتحت مواضيعي بالرّكن بمحاولة وضع ميثاق، يلتزمه الجميع، حتّى ينمو بيننا الحوار الدّيمقراطيّ، وكان أوّل موضوع لعضو مثقّف يدعي أبو ميسان، وكان عنوانه " نحن والدّيمقراطيّة" كان يبدو متماسكا في أطروحاته مهذّبا في لغته وتناوله، ميّزته بنجمة، وما هي إلاّ دقائق حتّى لاحظت مشاركات عديدة في الموضوع، وصل إلى الصّفحة الخامسة خلا ربع ساعة، سرّني الأمر، فمن المطالب الحيويّة للإنسان الدّيمقراطيّة، دخلت وشرعت في قراءة الرّدود، ماذا أرى ؟ الموضوع عدل عن مساره، والأعضاء في شتم وتسابب، فهذا يرفع شعار أن لا ديمقراطيّة مع أعداء الدّيمقراطيّة، والآخر ينادي بمعاداة التّيوقراطيّة باعتباره تمثّل نظرة أحاديّة للوجود الإنسانيّ، والآخر ينعت من يعارض فكرته بالميوعة والعمالة لأعداء الأمّة، بل وصل الأمر إلى حدّ الوعد والوعيد والتّهديد، وشتّى أشكال التّحقير والمسّ من الذّوات المختلفة، لم أجد حلاّ إلاّ استعمال ما أتاحته لي الإدارة من أزرار لإخفاء الرّدود المخالفة لما وضعته من ميثاق، لم يصمد من الرّدود إلاّ ثلاثةً، كان أحدها "لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العظيم" وآخر هو "اتّقوا الله في خلقه" والثّالث "يا جماعة لا تنسوا أنفسكم ولا تنسوا المعروف بينكم" ولست أدري أنّي بإخفاء الرّدود قد فتحت على نفسي حمما من قاموس الشّتائم، فهذا ينعتني بالتّحجّر والظّلاميّة ومساندة الإرهاب بكلّ أشكاله، والآخر ينعتني بالتّغرّب والكفر والإلحاد، وثالث يطرح أسئلة حول بلدي ومستواي الثّقافيّ، ورابع ينعتني بديكتاتور الفكر، ... والأغرب من هذا هو أنّ جلّ العضويّات المتطاولة عليّ وعلى المنتدى حديثة وقليلة المشاركات، ولا أذكر أنّي أخفيت ردّا لأحدها، حيّرني الأمر، ولكنّ حيرتي لم تطل فقد تذكّرت أنّ الإدارة تسمح بالمشاركة الفوريّة لكلّ عضويّة جديدة، وتذكّرت أنّ بيننا دائما من يسعى إلى التّخفّي وراء قناع لممارسة هواية جلد الآخر بكلّ أشكاله، تذكّرت أيضا أنّ لي أزرارا أخرى يمكنني استعمالها، فقدّمت طلبا في قفل هذه العضويّات المتطاولة، وكان كلّما قفلت عضويّة فتحت عشرة أخر، ... وصلتني رسالة من أحد الأعضاء يقول صاحبها: "ما دامت الدّيمقراطيّة بعيدة عن ممارستكم، فما الّذي دفعكم إليها؟" كانت هذه الرّسالة ناقوس إنذار فعل بي فعله، وتذكّرت علاقاتي داخل مختلف المنتديات، وبعض المواقف الّتي وجدت نفسي فيها مع المشرفين، وذهب بي الخيال بعيدا، وتصوّرت نفسي حاكما ديمقراطيّا يسمح للنّاس بالتّفكير الحرّ في حدود ما يتيحه لهم من فرص، فيمارس السّجن وشتّى صنوف القمع على كلّ من لا ينخرط في لعبته لذلك ترى الشّعب ضائعا بين الطّاعة ومصالح الأفراد والوطن وتساءلت: "ما ضرّني لو تركت كلّ تلك الرّدود ؟ فهي تعبّر عن أصحابها!" ... أحسست بغثيان رهيب وبدوار، فأعدت إظهار كلّ المشاركات، ووضعت ميثاق المنتدى للتّذكير، وليكن ما يكون ، وكانت المفاجأة الّتي غطّت على كلّ هذه الممارسات، لقد وصلتني رسالة من الإدارة نصّها "ما دمت لست في حجم المسؤوليّة ، ما الّذي دفعك عليها سيسحب منك الإشراف" لم أردّ عليها، بل قطعت الاتّصال بالنّت وأطفأت الحاسب وعدت إلى عالميّ الحقيقيّ المادّي بكلّ تناقضاته وبي إيمان أن لولا التّناقض لما كانت الحياة .
انتهت

:( المتردّد ):


الرّبيع نثر بصماته في كلّ مكان ، فأشجار الحدائق تتوشّى بألوان زهورها البديعة، والفراشات تتراقص هنا وهناك في حركات دائريّة ، والعصافير تقاوم الصّمت بتغريدها المعلن عن موسم الحياة والتّكاثر فتتطاير هنا وهناك وتحطّ بين الفينة والأخرى فتتبادل دعابات لطيفة بمناقيرها، والسّماء صافية زرقاء بسطت عرشا سرمديّا تربّعت بوسطه شمس متألّقة تملأ الأفضية بأشعّتها وتحنو على الكائنات بدفء يخرجها من خمولها الّذي عمّره الشّتاء، على هذه المشاهد استيقظت هذا الصّباح، فلزمت سريري متكاسلا ملقيا نظرات بين الفينة والأخرى من نافذة غرفتي إلى هذه المشاهد البديعة، كنت أفكّر منذ ليلة البارحة بطريقة للإعلان عن الذّات، لتلك الّتي أحببتها في صمت ظاهريّ، ولكنّ بركانا دفينا ظلّ يثور بداخليّ منذ سنوات، إنّها هزيم، هكذا سمّاها أبواها، وكم كان اسمها لا يطابق شخصيّتها، فلا أثر للرّعود في كلماتها وحركاتها، بل هي كائن جميل متناسق في لطف دون استعلاء، صوتها إن تكلّمت أشبه بما يكون بوشوشات ماء رقراق في انسيابه، ومشيتها كتوقيع عزف سمفونيّ راق ... عرفتها منذ سنوات المدرسة الثّانويّة فعلق قلبي بها رغما عنّي، ما كانت جارة لي ولا زميلة دراسة، بل عرفتها ذات يوم بالمكتبة العموميّة حيث طلبت إليّ مساعدتها في إعداد بحث حول شعر الحماسة، لم أكن من هواة الشّعر ولا من حفظته قبل ذلك اليوم، ولكن بعد ذلك صرت أبحث في الكتب القديمة والحديثة عن كلّ ما ينتسب إلى هذا الجنس الأدبيّ، لست أدري سبب ذلك ، أهي أم روعة الشّعر ؟
بعد ذلك اليوم صرت ألتقيها صدفة بالحافلة فنتبادل التّحيّة وأحاديث حول الدّراسة والطّقس، وآخر المطالعات من شعر ونثر، كان شيء ما يشدّني إليها، ولست أدري ما هو ، أحيانا أقول :"هو الحبّ " وأحيانا أعاتب نفسي قائلا :" عليك أن تفهم قدرك وتلزم كرامتك، فجمال منظرها ولطف حديثها ورقّة تصرّفاتها لا تناسب من شحّ عليه الوجود في كلّ شيء، فعيناي ضيّقتان وأنفي كبير أفطس وشعريّ أشبه ما يكون بكومة أشواك، ... احترم نفسك يا فتى " وأصمت ويبقى هذا الشّعور دفينا بين الضّلوع .
كم وددت مصارحتها بما أحسّه إزاءها، لأرتاح ، لأظفر منها بقبول أو رفض وفي الحالتين راحة ممّا ألاقي ... شيء بداخليّ يصدّني عن ذلك، ليس الكبرياء فأنا نشأت مسحوقا بين أفراد أسرتي ، لقد كنت الأوسط، لسوء حظّي، فقد كان أخي الأكبر يلقى حظوة خاصّة من الوالدين ومن الأجداد والأعمام والأخوال، كانوا يستحلون حتّى بلاهته وتفاهته ، وكان أخي الأصغر بدوره لا يقلّ عنه حظوة، فأبي يلاطفه كثيرا ويقدّم له كلّ نفيس ومستطرف، كنت أشعر بغيرة بينهما، ولكن أقول في باطني : " هما أخواي ولا ذنب لهما في ما يفعله الأبوان والأقارب " وأبتلع ذلك في مرارة، صببت كلّ همّي في الدّراسة فصارت سلواي الوحيدة ، لم أشعر بنقص لأنّي لم أشارك أقران الدّراسة ولا أبناء الحيّ ألعابهم ومغامراتهم، كانت حياتي مقسّمة بين دراسة ومساعدة أبويّ في بعض الشّؤون، أذكر مرّة أنّ والدي قصد المسجد لأداء صلاة العصر وتركني في متجره، وقد كان عمري لا يتجاوز السّنوات الثّماني، فتحت أحد الدّروج في غيابه، وجدت مجلّة فأخذت أتصفّحها وأنظر ما بها من صور لنساء عاريات، فوجئت بعودته فصفعني واستلّها من يدي، ولكنّي لم أفهم سببا لذلك إلاّ بعد سنوات، وكم من مرّة دخلت على والدتي وقد اجتمعت بالجارات في فناء الدّار فكنّ يتبادلن أحاديث طريفة، ويقهقهن ضاحكات، لكن بمجرّد دخولي أو دخول أحد أخويّ يعمّ الصّمت ويستعضن عن الألفاظ بالهمز واللّمز، لقد تربّيت في بيئة تمنع اختلاط الرّجال بالنّساء، حتّى عندما تزورنا بنات الأقارب لا ألاعبهنّ، كان للرّجال عالمهم الخاصّ وللنّساء كذلك ما يخصّهنّ، وفي هذا الخضمّ شققت طريق دراستي بتألّق حتّى نلت شهادة في الهندسة الآليّة وها أنا أشتغل بشركة تركيب سيّارات أجنبيّة ...
اليوم هو يوم راحة لي ، لقد طال تكاسلي بالفراش ، ولعلّ هول الموقف الّذي قد أواجهه مع "هزيم" زاد من بطء قيامي ... وفجأة قرّرت الوقوف فغادرت الغرفة وعدّلت من هيئتي وغيّرت هندامي ثمّ أفطرت وغادرت البيت، قصدت الحيّ الّذي تسكن به يحدوني عزم على مصارحتها بما يعتمل بداخليّ من حبّ إزاءها، كنت أحسّ الأرض تنزلق من تحت قدميّ وصوت يحاول ثنيي عن المواصلة ، سرت بخطى منكسرة وبرأسي أكثر من سؤال وكأنّني مغامر يعتزم الإقبال على مغامرة غير مأمونة العواقب، أسئلة كثيرة أثّثت طريقي، ولكن دون إجابة ثابتة، صوت داخليّ مفاجئ استوقفني، لم لا ترسل الوالدة لخطبتها وتجنّب نفسك الحرج ؟ كدت أطيعه لولا أن ذكرت أنّي أخجل من محادثة أهلي بالموضوع، ليكن حرجي على انفراد أفضل من أن يصبح مشاعا للجميع، فقد يتحوّل موضوعي إلى فكاهة مبتذلة لدى الجميع، قرّرت أن أواجه الموقف وحدي، وليكن ما يكون ...
لم أدر كم استغرق الطّريق من الزّمن ، وكانت دقّات قلبي تتسارع كلّما اقتربت من حيّها، وصلت، اضطربت، لم أدر ما أفعل، خطر لي التّوجّه إلي بيت أسرتها مباشرة، لكنّي خشيت ردّة فعل أهلها ، كيف سأواجه والدها أو والدتها أو أشقّاءها، قرّرت البقاء في ركن الحيّ أتلهّي بمنظر ربيعيّ أخّاذ، وأذكر بعض لحظات هرّبتها من عالم الآخرين، فالآخر هو الجحيم كما قال جان بول سارتر، ودون سابق إنذار لمحتها قادمة بخطى متّزنة، جفّ الرّيق في حلقي، تبعثرت كلماتي وتسارعت دقّات قلبي، لعنت في داخلي اللّحظة الّتي فكّرت فيها بالقدوم إليها، تظاهرت بالنّظر إلى بيت مهجور بحيّها، انتهى إليّ صوتها: "فريد ! أيّة صدفة قادتك إلى حيّنا ؟ أهلا بك ، كيف الحال ؟" ضاعت من لساني الكلمات وبصوت مرتبك ألقيت إليها: " أهلا هزيم، أمازلت تسكنين في هذا الحيّ ؟" أجابت: " أكيد ...هل أساعدك بأمر ما؟" وتداخلت الكلمات والحروف في حلقي وضاع منّي ما جئت من أجله ، لم أدر كم دام تردّدي ولكنّي قطعته قائلا: " ألا يوجد بيت للبيع بحيّكم ؟" رفعت إصبعها وأشارت إلى البيت المهجور، لمع ببنصرها الأيسر خاتم، فهمت أنّها صارت مخطوبة ، تظاهرت بالسّؤال عمّن يكون صاحب هذا البيت المهجور فراحت تشرح لي ولكنّي ما انتبهت لما تقول، انتظرت على مضض انتهاء كلامها فشكرتها ومضيت مودّعا .

*~* تائه في الزّحام *~*


الطّقس ماطر ، فمنذ أيّام ثلاثة لم تظهر الشّمس إلاّ للحظات، تذكّرني بخجلي الطّفوليّ كلّما التقيت شخصا غريبا ، مع تضاعفه إن كان هذا الشّخص من جنس الإناث، تحوّلت الأرض إلى برك للمياه، فبلديّتنا لا تتعهّد الطّرقات إلاّ عند زيارة مسؤولٍ رفيعٍ المدينةَ، كنت أسير على الحاشية حذرا أحتمي بجمّازتي من قطرات الغيث بعدما رفعتها بيدي لتحطّ بطرفها فوق رأسي، وفجأة شعرت بمطريّة تحميني من السّيل دون سابق استئذان، لم أعر الأمر أهمّيّة في البداية ظانّا أنّها مصادفة من أحد المارّة، فرغم كلّ شيء نحن أناس تربّينا على مساعدة الغير دون انتظار مقابل، ولكن خطى صاحب المطريّة ظلّت ترافقني، وهو ما دعاني إلى رفع ناظريّ عن الأرض لتكون مفاجأة لم أدر كيف أتصرّف معها، تملّكني إحساس رهيب لا أجد له مكانا في الأوصاف الّتي توفّرها معاجم البشر، ليس خجلا ولا ألما ولا ندما ولا حيرة إنّه إحساس، ما عرفته من قبل ولا سمعت ولا قرأت عنه، حاولت أن أئده مصطنعا ابتسامة، وكأنّ مرافقتي أرادت أن تنقذني من الورطة هامسة: "أهلا بشير، صدفة سعيدة ..." تمالكت نفسي محاولاً كتم ما بي وهمست:" وعد، يا للصّدفة السّعيدة" ولست أدري إن كانت هذه الصّدفة سعيدة أم لا، فلطالما حلمت بلقاء وعد رفيقة الدّراسة وحبيبة الطّفولة والمراهقة والشّباب، ولكن أيضا كان وخزا يعتمل بصدري كلّما ذكرتها، فلقد أحببتها طفلا ومراهقا وكانت رفيقة أيّامي ولياليّ بالحضور والغياب ، وغُصْتُ في بحر من ذكريات لذيذة أيّام كنت أقصد بيت أسرتها لنراجع الدّرس مع بعضنا، وقد كان والدها يعارض ذلك في بداية الأمر ولكنّه حين وثق بخلقي أصبح يدعوني إلى بيته حتّى في أيّام العطل ... لمْ أدرِ كم دام تجديفي في هذا العالم السّحريّ، ليخرجني منه صوتها الرّقيق: "صدفة رأيتك فبقيت أتبعك مسافة، ولكنّك لم تنتبه إليّ وكنت تسير كمن يحمل هذا العالم على كتفيه، ما أصابك ؟ أين ابتسامتك الّتي كانت لا تفارق فاك ؟" وتنهّدت محاولا البحث في وجهها عن أمر ما ، لست أدري ما هو ؟ أهو الحبّ القديم ؟ أم ذكريات عمر انفرطت حبّاته بين يديّ وأنا كالتّائه في الزّحام، ودون طويل تفكير أجبت: "الحمد لله الّذي لا يُحْمَدُ على أمرٍ سواه" حدجتني بنظرة حائرة وكأنّها تبحث عن موضع صدقٍ في ما نبست به شفتاي ثمّ أردفت: " أيمكنني دعوتك لشرب قهوة؟" تردّدتُ للحظات ولكنّ شيئا بداخلي دعاني إلى الموافقة ...
سرنا حذريْن من برك الماء وربّما من أشياء أخرى وكان الصّمت سائدا بيننا، فطوال هذه المسافة كانت أسئلة عديدة تزدحم برأسي المتعب، وصلنا مقهى تبدو عليه بعض علامات التّرف، دخلنا، اختارت لنا منضدة منعزلة، فقفز إلى رأسي شيطان جائع، جلسنا فأشارت إلى النّادل فأتى مسرعا، فأغلبهم يسرع كلّما دعته أنثى، أمّا إن دعاه رجل فيتبلّد، أمّا إن كان المنادي سائح أوروبيّ فسرعة استجابته تتضاعف وتتضاعف، كنت سابحا في عالميّ الضّيّق في حين أحضر المشروبات وانسحب مضيفا: " رهن إشارتك سيّدتي" فرمقته بنظرة شرقيّ مُسَّ في كرامته، قطعت مضيّفتي هذا الأمر بقولها: "كم مضى من الوقت لم نتقابل خلاله؟"
ـ سنوات ، أكيد ...
ـ ما أخبارك ؟ هل لديك أطفال ؟
ـ لديّ، ( وانفلتت منّي آهة حرّى) لديّ طفلة ولكنّها مع أمّها، لقد افترقنا، لم نستطع مواصلة العيش معًا، ...
ـ هل طلّقتما ؟!
ـ نعم والحمد لله ...
ـ الحمد لله على أبغض الحلال !؟!
ـ نعم، فإنّي أحسّ نفسي الآن كطائر يحلّق بأجواز الفضاء بعد سنين قضّاها في قفص لا يدري ألوانا لقضبانه، ...
ـ تكلّم، فآخر مرّة زرت بيتنا في غيابي أخبرت والدتي أنّك تعتبرني بمقام شقيقتك ولكنّك لم تعد تريد رؤيتي ولا لقائي خشية على مستقبلك، فما الأمر؟
ـ فعلا حدث هذا، فأنت تعلمين أنّني وإيّاك بقينا في حالة بطالة بعدما أنهينا سنين طويلة في الدّراسة استهلكت طفولتنا ومراهقتنا وجزءا من شبابنا بلا رحمة، كنت أنتظر يوم أجد فيه عملا يناسب مؤهّلاتي، لأعلن على الملإ حبّنا وأخطبك من أهلك، وكنت أقصد مؤسّسات كثيرة بحثا عن شغل، حتّى قصدت شركة كان صاحبها يدعى توفيق، قدّمت له المطلب فضبط لي موعد آخر للقائه ولكن بعد العمل، حضرت في الموعد، فإذا هو يحدّثني بأمور لا علاقة لها بالعمل، عن حالتي الاجتماعيّة والمدنيّة مقدّما لي عرضا مغريا، أمهلني ثلاثة أيّام للتّفكير والرّدّ، وكان عرضه أن أتزوّج أخته العانس الّتي تكبرني بعشر سنوات مقابل أن يوفّر لي الشّغل مع وعدي بترقيات سريعة لأصبح رئيس قسم بشركته، عشت اليوم الأوّل في جحيم من التّفكير والموازنات والضّبط ، لم أنم ليلتها، وضعتك أمامي، وضعت المستقبل، رأيتني غير قادر على تأمينك من غوائل الزّمن، في اليوم التّالي قصدت بيت أسرتك وأعلمت والدتك بما قصّتْه عليك ، وفي اليوم الثّالث عدت إليه قبل أن تفتح الشّركة أبوابها، خشيت أن يهزمني القلب، فأرتدّ إلى ما كنت فيه من ألم وحيرة، وما كاد يحلّ بسيّارته الفخمة حتّى وجدتُني أسرع نحوه ككلب يبصبص بذيله عند قدوم سيّده، أدخلني مكتبه، فأخبرته بقراري، تهلّلت أساريره، ناولني مبلغا هامّا من المال ومدّ إليّ وصلا أمضيت عليه دون أن أقرأه، عدت إلى بيت أسرتي المتواضعة، أخبرتهم أنّي وجدت عملا وعروسا في ذات الوقت، وَلْوَلَتْ والدتي بالزّغاريد في حين ظلّت أختي الكبرى ترمقني بنظرة فيها الكثير من خيبة الأمل والعتاب... أعددت نفسي خلال أيّام، وكنت عريسا، وفّرت لي الزّوجة المصون المسكن الفاخر، واللّباس الفاخر والسّيّارة، ...
ومضت الأيّام، وحملتْ زوجتي بابنتي أريج، فبدأت تُضِيقُني صنوف الإهانات، وكانت لا تتورّع عن مقارنتي ببضاعة تباع وتشترى، دست على كرامتي، فأنا محاصر بين النّار والماء ولا مناص من الارتماء في أحدهما، فهنا الغرق وهناك الاحتراق، ولكن قرّرت في داخلي البحث عمّن ينسيني كلّ تلك الجراح، لم أذهب بعيدا، كان في القسم الّذي أشرف عليه فتاة في رقّة الزّهور، ولكنّ نظرة ألم تطفو باستمرار على محيّاها، لقد ذكّرتني هديلُ إيّاكِ، كنت ألاطفها كلّما التقيتها حتّى اطمأنّت إليّ، أصبحت تردّ على لطفي بكلمات رقيقة افتقدتها لزمن بعيد، دعوتها أكثر من مرّة إلى تناول الغداء، لم أحاول يوما لمسها، بل كنت أكتفي بما أنعم الله عليها من كلام عذب وروح شفّافة وجمال لطيف، ... .
ـ أنتم الرجال، تتذرّعون بأيّ أمر لتغيّروا كلّ شيء .
ـ كنت مضطرّا إلى ذلك لأستطيع تحمّل ظروف بيتي وعملي، ولكن، دوام الحال من المحال، فقد شبّ خلاف بين زوجتي وشقيقها حول التّصرّف في الشّركة الّتي تركها لهما أبوهما، أرادت أن تجعلني أدافع عن حقّها، أخبرت شقيقها بالأمر، فشهر في وجهي ذلك الوصل الّذي أمضيته، فإذا به مبلغ لا أقدر على دفعه وإن بعتُ أشلائي وأعضائي وكلّ من يعزّون عليّ، اختطفته من يده، فقهقه وأخبرني أنّه سُجِّل بالدّفتر العقّاريّ ويوجد منه نسخ منظرة عند محام وبالودائع بالبنك، أخبرت شقيقته لاحقا بالأمر فكان ردّها : " لقد أفلح في اختيار زوج أحمق لي" أحسست بوجع في داخلي لكلامها، ووجدتني في وضع لا يحسدني عليه إلاّ سفيه أو معتوه، حاولت أن أدافع عن إرث طفلتي، لكنّ صهري المخادع كلّف من يراقبني، حتّى عثر لي على نقطة ضعف أخرى، فقد فاجأني صحبة شقيقته مع هديل، وصبّتْ عليّ جامَّ غضبها ونَسِيَتْ كلّ ما عهدت به إليّ من دفاع عن حقّها في إرث والدها، عدت إلى البيت محاولا إقناعها بكوني لم أخنها، ولكنّها انهالت عليّ بوابل من النّعوت الحيوانيّة، ثمّ أمرتني بترك مفاتيح السّيّارة والرّحيل بغير رجعة، أدركت أن لا فائدة مع غرورها، عدتُ إلى بيت أبويّ أجرّ يدا فارغة وأخرى لا شيء فيها وقلبا هدّته الكلوم، أخبرت أختي ووالديّ بأنّ زوجة في سفر طويل وأنّي اشتقت إليهم فاسترخصت من العمل، لأنعم بأيّام معهم في هدوء وطمأنينة، هضموا الأمر بعسر، ولعلّهم أحسّوا بمعاناتي فلم يريدوا إرهاقي بمزيد من الأسئلة، مضى أسبوع على هذه الحال، وإذا بعدل منفّذ ، يفاجئني بإعلام من المحكمة حول نشر قضيّة في حقّي بتهمة إهمال العيال، فزوجتي لم تجد ما تَطْعَمُهُ أو تطعم به صغيرتنا في غيابي، بعد يومين وصلتني رسالة من الشّركة تعلمني بطردي من العمل لغيابي الغير مبرّر لمدّة فاقت الأيّام الثّلاثة، اكتملت المأساة، فضحكت من نفسي ومن قسوري...
ـ كيف تصرفت؟ حكايتك تشبه مسلسل محبوك الإخراج.
ـ بعد جلسات مطوّلة، حكمت المحكمة بيننا بالطّلاق وغرّمتني بخمسين ألف دينار لزوجتي المسكينة لقاء ما سبّبتُه لها من ضرر معنويّ ومادّيّ، ونفقة شهريّة لابنتي بمائة وخمسين دينارا، لا طائل لي بدفع هذه المبالغ، تراكمت ديوني لها، لم أدفع، فكان أن أُلْقِيَ عليّ القبض وسُجنت، وخرجتُ من سجن إلى سجن، ومن سجن العمر إلى سجن الحياة، ومن سجن الحيرة إلى سجن الضّياع ، وها أنت تريْنني أمامك إنسانا متعبا يتناوشه الفشل واليأس والحسرة ...
ـ مأساة فضيعة ... للأسف ... آه ...
لست أدري ما الّذي دفعني إلى النّظر في عينيْها فإذا دمعة تترقرق في مقلتها، ودون تفكير، مددْتُ يدي لأداعب خصلات شعرها، فانتفضتْ كالملدوغ أبعدَتْ يدي في ثورة، مدّت من حافظتها ورقة نقديّة من فئة عشرة دنانير وألقتها على المنضدة، ثمّ ألقت في وجهي: "لم أعتقد يوما أنّك وَعْثَاء الحياة الّتي عشتَها قد لوّثتْك إلى هذا الحدّ أنا امرأة متزوّجة وأحترم زوجي وابنيّ"، ثمّ غابت، بلعتُ ريقي في مرارة، وضعت يدّيّ على المنضدة وأسندْتُ إليهما رأسي، وأخذني دوار رهيب.....

*~* حادث رهيب *~*

كان الطّقس ربيعيّا صافي السّماء ، وكانت الشّمس تتوسّط السّماء مرسلة أشعّة دافئة في البداية ولكن إذا داوم الشّخص منّا على البقاء تحت أشعّتها لدقائق تعرّق وسرت في جسمه حرارة تنذر بالخطر ، وقد كان أجدادنا يقولون : " شمس النّوّار ، تُخْلي الديار " وكان الكبار يذكّرون صغارهم بهذه المقولة كلّما عنّ لهم اللّعب في الشّارع ، خاصّة وأنّ المدارس قد أغلقت أبوابها اليوم ، إنّه يوم المولد النبويّ الشّريف على صاحبه أطيب الصّلاة وأزكى السّلام .
كان اليوم يوم فرحة بمختلف بيوت المدينة فالأمّهات تستيقظن منذ الصّباح الباكر فتعددن مأكولات خاصّة بهذه المناسبة العزيزة على قلوب المسلمين فتطعمن صغارهنّ ويهادين منها الأقارب والجيران ، كان الجوّ بالمدينة هادئ عندما حانت السّاعة الثّالثة بعد الزّوال ، وفجأة سمع الأهالي صوت انفجار عنيف يهزّ السّكينة فيبعث في القلوب رعبا وحيرة وأسى، وما هي إلاّ لحظات حتّى تعالى عمود من الدّخان الكثيف الأسود من مدخل المدينة، وهرع الجميع من شبّان ورجال وأطفال لاستطلاع الأمر، وكنت مع الرّاكضين، حيث أنّنا أخذنا نجري غير آبهين لشيء وكأنّما ينتظرنا هناك أمر يعنينا إلى درجة أنّ كلّ واح منّا لا يريد أن تفوته هذه المناسبة، وصلنا المكان فوجدنا سكّان بعض النّاس من الفلاّحين والمزارعين في جيئة وذهاب ، فبعضهم تسلّح برفش لإخماد النّيران الرّهيبة الّتي كانت تعبث بعربتين من قطارين متصادمين ، وكان البعض الآخر يركض بالأواني جالبا ما استطاع من ماء لصبّه على النّيران الّتي بدت وكأنّها حمم بركان لا يسلم منها أخضر ولا يابس ، كان بقيّة ركّاب القطار يلوذون بالفرار من النّوافذ الزّجاجيّة المحطّمة خشية وصول اللّهب إليهم ، كانت بعض الأمّهات تلقين بصغارهنّ من النّوافذ إلى بعض الّذين اضطلعوا بدور المنقذين ، وتمّ تشغيل الهواتف الخلويّة لاستدعاء شرطة النّجدة ، ولكن المشكلة أنّ مكان الحادث واقع بين الحقول في منطقة يعسر الوصول إليها على كلّ عربة من عرباتهم ، وكان كلّما التحق فوج من الأهالي خاض المعركة مع اللّهب غير آبه بما قد يتعرّض إليه من خطر، وكانت صيحات النّساء وعويلهنّ يمتزج بصراخ الأطفال والرّجال وسط العربتين اللّتيْن عبثت بهما النّيران ، وكانت كلّما صبّ عليها ماء تراجعت لحظة ثمّ قفزت في الفضاء أكثر شدّة، إنّه موقف رهيب يمزّق القلوب، لقد تمّ إنقاذ أنفار قليلين من قبل الأهالي ، في حين احترق عدد كبير ممّن علق بالعربتين ، ولم يكن بالإمكان فعل شيء أمام ضراوة ألسنة اللّهب ...
بعد زهاء السّاعة وصل أعوان الشّرطة وشرطة النّجدة مجهّزين بخراطيم الإطفاء وأكسية خاصّة تقي أجسادهم خطر الاحتراق ، لكن ، لقد قضى عدد كبير ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم، بدأت الشّرطة تبعد النّاس عن مكان الحادث ، فبدأ الهمز واللّمز ، فمن الحاضرين من أوّل ذلك بالخشية على حياتهم ومنهم من أوّل هذا التّصرّف بتجنّب تعطيل شرطة النّجدة ، وبعض الألسنة الخبيثة بدأت تتهامس بأنّ ذلك لإخفاء العدد الصّحيح للضّحايا خشية أن يمتنع النّاس عن ركوب القطارات ... اندفع رجل الإطفاء كالأسود نحو الحريق فأخمدوه في عشرة دقائق ، وانبعثت رائحة الشّواء من العربتيْن ، فزاغت العيون ولمعت دموع أسى في عيون الجميع ولم يتمالك بعضهم نفسه عن البكاء والعويل ، في حين تجمّع بعض الشّبّان حول أحد النّاجين فأخذ يقصّ عليهم كيف كان يجلس بالعربة الأولى ، ولكنّه فجأة أحسّ برغبة في تغييرها ، وقد كان يتحدّث وبريق فرح يلمع من ناظريه أو لعلّه فزع الموت ، أو إحساس من نجا من مصير لا مناص منه إلاّ أن يشاء الله .
واصل أعوان الشّرطة جهودهم لتفريق النّاس وإبعادهم عن مكان الحادث حتّى يتسنّى لأعوان الإطفاء إخراج بقايا أجسام متفحّمة من العربتين، فانحنت الرّؤوس ، وقفل الجميع راجعين إلى بيوتهم قاصّين على بعضهم البعض الأعمال البطوليّة الّتي بذلوها لإنقاذ بعض الضّحايا .
انتهت

~* هل أخفقت في تربيتك ؟! *~


لقد كان العمل اليوم مرهقا ، فتنقّلت من الصّباح مسافات طويلة باستعمال نّقل العموميّ ، فأنا لا أملك سيّارة ولا رخصة قيادة، وقد نالتْ منّي خيوك المطر وعبثت الرّياح بمطريّتي الضّعيفة ، فبعدما كانت تقيني المطر رأيتني أحيانا أقيها الانكسار بفعل الرّياح ، لقد اجتمعت عليّ السّماء والأرض فلم يسلم حذائي ولا سربالي من البلل ، بل إنّ حذائي فتح شدقيه كاشفا عن جوارب تحوي أصابعي بمفعول البرك ، فقط حرصت على أن لا يتبلّل الجذع والرّأس . بعد كفاح هذا اليوم الشّاقّ عدت الآن إلى البيْتِ ، أسرعتُ بتغيير ملابسيّ ، توضّاْتُ وأدّيت ما فاتني من صلوات ، ثمّ أعددْتُ بنفسي كأس قهوة لأزيل ما بي من تشنّج، قصدت قاعة الجلوس ، وكان طفلي أيهم ملقى على الأريكة لمشاهدة قناته المفضّلة الّتي لا تبثّ إلاّ أفلام الكرطون ، وكان يحلو له بين الفينة والأخرى القيام بحركات بهلوانيّة تعبيرا عن تفاعله مع المشاهد ، دنوْتُ منه أقبّله فدفعني بلطف ، في حركة لاشعوريّة ، لم أغتظْ ، فقد ألفتُ منه ذلك في مثل هذا الموقف ، همستُ :" أيمكنني تغيير القناة؟" دون أن يجيبني انقضّ على جهاز التّحكّم عن بعد ، حاولت انتزاعه منه فحدجني بنظرة تجمع اللّوم إلى الغضب ، أعلمته أنّ القناة الوثائقيّة ستبثّ بعد قليل برنامجا حول مثلّث برمودا ، فهزّ كتفيه في حركة تدلّ على اللاّمبالاة، تجاسرْتُ فانتزعت منه جهاز التّحكّم وأطفأت التّلفاز ، اهتزّ كمن أصيب بمسّ ، لم أعطه الفرصة للتّمادي في تصرّفاته إذ همست :
- أنت الآن لم تعد صغيرا ، يجب أن لا تقصر حياتك ووقت فراغك على مشاهدة أفلام الكرطون ...
- أبي ، لماذا تصرّ على إفساد مزاجي ؟ ماذا لديّ لأفعله عدا ذلك ؟
- هل أنجزت واجباتك المدرسيّة ؟
- أنجزتها عندما عدت من المدرسة ، هل لديك أمر آخر ؟
- انظر ، أنت الآن في سنّ العاشرة ، فهناك قنوات تقدّم برامج علميّة ودينيّة جيّدة ، وعلك أن توسّع دائرة معارفك فلا تظلّ رهين صور تتراقص أمامك ولن تفيدك بالشّيء الكثير .
- أبي ، الأ ترى أنّها طريفة ومسلّية ؟ ألم تكن في سنواتي السابقة تضع لي أفلام توم ودجيري لأتركك تعمل ؟
- لك بعض الحقّ في ذلك ، ولكن ، لا يمكن أن تقضي حياتك متشبّثا بتلابيب طفولتك الأولى ، يجب أن تنوّع مصادر معلوماتك وأن تختلط بأقرانك لتتعلّم الحياة .
- عجبا لك يا أبي ! ألم تكن تمنعني من ملاعبة أبناء الجيران متعلّلا بأنّ لهم أخلاقا سقيمة تخشى عليّ التّخلّق بها ، بل إنّي من موقفك ذاك صرت أتحاشى الأقران بالمدرسة .
- أكيد ، فعلت ذلك في البداية ، ولكن الآن بدأت تكبر ويجب أن تتعلّم كيف تعاشر الآخرين ، كيف تخاصمهم وتصالحهم ، كيف تعينهم وتستعين بهم ، كيف تخوض معهم في البيع والشّراء ، وكيف تفرض شخصيّتك بينهم، فأنت لن تقضي حياتك بين هذه الجدران أمام التّلفاز .
- فعلا أحسّ أحيانا برغبة في مشاركتهم أحاديثهم في المدرسة أو في طريق العودة ولكنّي لا أفهم كثيرا ممّا يقولون ، وإن تكلّمت ضحكوا منّي وكأنّي قادم من عالم غريب ، فأضحك معهم وأنسحب .
- لك الحقّ في ذلك ، ولكن كيف سنغيّر ذلك ؟
ودون أن يواصل الحديث استلّ منّي جهاز التّحكّم وشغّل التّلفاز وتسمّر أمام فلم لبطليْه المفضّلين توم ودجيري ، لم أمانع ، ولكنّي في قرارة نفسي قرّرت تغيير الكثير من المواقف ، وستكون البداية باصطحابه معي أثناء التّسوّق ، وزيارة الأقارب والجيران ، وتسجيله بنادي الألعاب القريب من منزلنا ، لعلّه يخرج من هذه البوتقة الضّيّقة .
انتهت

~~~ عيد لا كالأعياد ~~~

منذ سنوات وأنا أقضّي العيد في كمد صحبة ابنتيّ سلافة وميارى ، فقد فارقتنا الزّوجة منذ سنوات ملتحقة بالرّفيق الأعلى مخلّفة حسرة لا توصف في القلب ولوعة ووحشة في البيت ، كنت كلّ فجر عيد ، أترك صغيريتيّ نائمتيْن وأتّجه إلى المقبرة مترحما على والدتي الّتي لا أعرف وجهها فقد تركتني رضيعا ، وأصيبت بمرض النّفاس فأسلمت الرّوح إلي باريها ، وكذلك أمّ عيالي ، والوحيدة الّتي عرفتها من النّساء حقّ المعرفة ، فأغلبهنّ كنّ صورا عابرات في حياتي ، لم أتعلّق واحدة منهنّ ولا لامست كفّي إحداهنّ، لقد كانت رحمها الله الأخت والأمّ العطوف الّتي ألجأ إليها كلّما اشتدّت بي خطوب الدّهر، ولعلّ مروري على المقبرة هذا الصّباح اعتراف بشيء من جميلها ، ولطالما حاول الجيران والأصدقاء إقناعي بضرورة تزوّج امرأة ثانية تكفل صغيرتيّ ، ولكنّي كلّما فكّرت بذلك انتابني دوار رهيب ، أهو خشية امرأة الأب على ابنتيّ، وقد تذوّقت مرارة تصرّفاتها في صغري، أو خشية أن تضيع منّي صورة امرأة أحببتها ، لست أدري، دفنت الفكرة في أعماقي ، وانصرفت إلى الاعتناء بالطّفلتين فكنت لهما الأمَّ والأبَ ، كنت آخذهما إلى الحضانة أوقات العمل وأعود بهما في المساء، لأملأ حياتهما حكايات طريفة ومسلّية ، كما أقوم بواجبات البيت ، لم أشك ولم أتألّم، ولم أشعر بحاجة إلى غيرهما ...
صباح هذا العيد ، كنت أجلس إلى قبر أمّ عيالي ، وسرح بي الخيال بعيدا ، واسترجعت ذكريات راسخة في دماغي كوشم عتيق، لم أشعر بالنّاس وهم ينفضّون عن موتاهم، وفجأة قطع عليّ استغراقي صوت ملائكيّ :" سيّدي الفاضل ، أتقرأ شيئا من القرآن على قبر زوجي ، وأقدّم لك مالا ؟" رفعت رأسي وإذا بي أمام سيّدة تنظر إليّ في استحياء ، ولست أدري ما الّذي شدّني إليها، فرحت أشرح لها أنّ القرآن يتلى على الأحياء للاعتبار به وليس للأموات ، وهي عادة ألفها أهل قريتي معتقدين أنّ ما يتلى على قبور موتاهم سيغفَر لهم به، لم تقتنع بوجاهة رأيي ، ولم ألبّ طلبها، وصرنا وكأنّنا في صراع قيم ، ولكنّ شيئا ما يشدّني إليها ، ولم أقو على تركها ، فسألت :" ربّما تُوُفِّيَ زوجك حديثا" لأقطع الصّمت الرّهيب الّذي ساد بيننا ، دون أن تمهلني أجابت :" توفّي منذ سنوات أربع" وعرفت أنّها ترمّلت قبلي بسنة ونصف ، ودفعني الفضول فأضفت :"أكيد أنّك تزوّجت ثانية" فأومأت برأسها وعيناها تنظران إلى الأرض كمن أضاع شيئا ثمينا فراح يبحث عنه ، بحركة مفادها أنّها لم تتزوّج بعد بعلها ، خضنا في حديث عن الصّغار وعناء تربيتهم فعرفت أنّ لها ولدا يبلغ من العمر خمس سنوات ، وأنّها تصرف كلّ وقتها في الاعتناء به، وأنّها تعيش على راتب معاش زوجها ...
ودون سابق تفكير ألقيت إليها :" أترغبين في الزّواج بي ؟" ولست أدري ما الّذي دفعني إلى قول ذلك ؟ طأطأت رأسها ولم تنبس ببنت شفة، فهمت أنّها لا ترغب بذلك ، حاولت الاعتذار، ولكنّها قالت لي في استحياء :" هذه الأمور لا تتمّ على هذه الشّاكلة" فهمت أنّ عليَّ الاتّصال بأهلها وخطبتها ، فقرّرت اللّحظة أن أصطحبها إلي بيت أخيها لإتمام الخطبة ، وفعلا رافقتني أو رافقتها ، ولكنّنا سرنا في صمت ، بلغنا البيت ، فاستأذنتني وتركتني عند الباب ، ليخرج لي بعد ذلك رجل متين البنية فيحدجني بنظرة ثاقبة مع بسط يده للمصافحة ، سلّمت ومددت يدي ، فأدخلني بيته لننزوي في غرفة خاصّة وراح يسألني أسئلة كثيرة أشعرتني أنّي في جلسة تحقيق بوليسيّ ، طلبت يد أخته ومددته برقم هاتفي المحمول وعنوان بيتي ودعوته لزيارتي ، وفجأة تذكّرت صغيرتيّ اللّتين تركتهما تغطّان في سبات عميق ، وتذكّرت أنّ عليّ أن أعدّ لهما فطور الصّباح وأن أغسل أطرافهما وأسرّح شعرهما وأخرجهما في نزهة قصيرة بين ملاهي الأطفال حتّى وقت الغداء ، اعتذرت عن دعوته إيّاي وطفلتيّ للطّعام وانسحبت .
دخلت بيتي ، فوجدت الصّغيرتين متعانقتيْن وكأنّهما تلوذان ببعضهما البعض من أمر غريب ، ألقيت إليهما التّحيّة فردّتا في صوت واحد : " أبي هل ستتركنا " فدارت بي الدّنيا ، وطأطأت رأسي ثمّ استجمعت أنفاسي وقلت :" بلا ، لن أترككما "
انتهت

الأربعاء، 15 يوليو، 2009

*~ مع إبليس ـ لعنه الله ~*

تصدير :
اللّهمّ ثبّتنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك ، ولا تحمّلنا ما لا طاقة لنا به ، آميــن .

لقد تعبت من الشّغل طوال اليوم ، وهُدَّتْ قواي ، فكنت أسير كمن يحمل أثقال السّماء والأرض على كاهله ، أنتظر لحظة وصولي إلى المنزل ، لقضاء ما فاتني من صلوات ، فمشغّلنا لا يوفّر لنا مكانا للعبادة ولا يسمح لنا بالانقطاع عن العمل لأداء ما علينا أداؤه من تقرّب إلى الله ، وكنت كلّما سمعت صوت المؤذّن أستغفر الله وأهمس :" اللّهمّ ربّ هذه الدّعوة التّامّة والصّلاة القائمة آت سيّدنا محمّدا الوسيلة والفضيلة والدّرجة الرّفيعة وابعثه المقام المحمود الّذي وعدته ، إنّك لا تخلف الميعاد " عسى الله يغفر لي بها تقصيري كرها عن تلبية النّداء ...
كنت أسير بخطى متثاقلة وإذا يد تلامس كتفي وصوت يستوقفني مناديا : "عيّاش البلديّ " ، أحسست قشعريرة تسري في بدنيّ وبردا يسري في شراييني ، فالمكان مقفر والطّريق ضيّقة ، ولا مغيث إلاّ الله ، تمالكت نفسي والتفتّ فإذا أنا قبالة وجه قبيح غريب لا أعرفه، ولكنّه ناداني باسمي ! لم يترك لي فرصة للسّؤال وتمادى : "أنت لا تعرفني ، ولكنّي أعرفك وأزورك في بيتك وعملك ... " تجاسرت قائلا : "من تكون ؟" فردّ في زهو :" أنا الشّيطان " ودون أن أشعر همست : " أعوذ بالله منك ومن همزك ولمزك ونفخك " ارتدّ إلى الخلف ، وكأنّي شهرت في وجهه سلاحا ، ثمّ أردف : " ماذا فعلت لك ؟ أنتم بني البشر ، تناصبوني العداء ، رغم فضائلي عليكم ، فما أجحدكم ، وما أقلّ معروفكم إلاّ قلّة قليلة"
ـ قلّة قليلة ؟ هل يوجد من يحبّك ويطيعك منّا ؟!
ـ أكيـــد ، بل يوجد من قال فيّ :
إبليس خير من أبيكم آدم * فتبصّروا يا معشر الفجّـــــــار
النّار عنصره وآدم طــــينة * والطّين لا يسمو سموّ النّار
- أكيد أنّه معتوه من قال هذا الشّعر أو ضعيف نفس قد سيطرتَ عليه فراح يمتدحك بما لستَ أهلا له .
- العكس تماما فهو من القلائل الّذين يعترفون بفضلي ، فالبقيّة ينعمون بما أنصحهم به ، ثمّ يلعنونني .
- عليك اللّعنة إلى يوم الدّين .
- ها أنت تخطئ بحقّي رغم أنّي لم أمسَسْك بسوء .
- بل وجودك هو السّوء بعينه ، تَنَحَّ من طريقي ، وابحث عمّن تغويه غيري.
- ها أنت تداري ضعفك ، وتحاول التّهرّب من مواجهة الحقيقة ، هكذا أنتم بنو آدم ، ضعاف أمام الحجّة والبرهان ...
- الحجّة والبرهان ؟ كيف ؟
- لقد خلق الله أباكم آدم ودعانا لنسجد لما خلق فانصاع الملائكة ورفضت أنا ، وكنت أعرف أنّه لولا رفضي لما تكاثرتم ولما تطوّرتم ، وقد وسوست لأبيكم آدم لأخرجه من حياة الجمود والسّآمة والملل إلى حياة ملؤها الحركة والتّطوّر ، أتنكر ذلك ؟
- لا أريد منك حجّة ولا برهان فأنا إنسان بسيط أومن بالله وأطيعه ما استطعت ، ولا أشكّ ولا أجادل في ما أنزل على رسله .
- لولا همزي ولمزي لما كنت أنت ولا آباؤك ولا أجدادك ، بل كان سيبقى آدم وحوّاء وحدهما ينعمان لزمن ثمّ تسري إليهما السّآمة ، فيقعان في المحظور ، وربّما يتقاتلان .
- لا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم ، اترك سبيلي عليك اللّعنة .
ومضيت ، ولكنّه أصرّ على مرافقتي كرها ، وكان يحاول غوايتي بشتّى الأشكال فتارة يوهمني بأنّي جبان ولا أستطيع التّمتّع بما خلق الله من نعم ، حرّمها عليّ فامتثلت ، وطورا يدعوني إلى تجريب لذّات الحياة حيث العيش الحقيقيّ المتحرّر من كلّ القيود وأن الله غفور رحيم وسيتجاوز عن زلاّت أرتكبها في لحظات ضعف ولكنّها لا تخلو من انتشاء، دخلت البيت فدخل معي دون استئذان ، حاولت إقناعه بأنّ في ذلك قلّة أدب فحاجّني بأنّ ما نسميّة أدبا ليس إلاّ ضعفا في أنفسنا ، وراح يحدّثني عن فضائله ، وكيف أنّه مرّة رأى شيخا يحمل جرّة عسل يقصد السّوق لبيعها فإذا به يسقطها عنه فينساب عسلها ، وإذا النّاس يلعقون العسل ويلعنون الشّيطان ، وعن رجل طلع له في المنام وأخذه إلى السّماوات السّبع ولمّا أراد قضاء حاجة بشريّة سمح له بفعل ذلك على رقبته ففعل ولمّا أفاق ووجد أنّه قد بلّ فراشه فراح يلعنه ونسي جولة رائقة في عوالم فسيحة ، حنقت لحديثه وقلت : "ماذا تريد منّي بالنهاية ؟ " فتهلّلت أساريره وقال :" ها أنت بدأت تلين وتدرك حقيقة الأمور ، لا أريد إلاّ خيرا لك ، أريد أن أخرجك من الحرمان إلى متعة الحياة ولذّتها كما أخرجت أباك آدم من وحشة الوحدة والسّآمة إلى نور الحياة بما فيها من متع ولذّات ، أريدك أن تعيش بالحياة لا أن تقضّيَها في دوّامة من الخوف والطّمع ، تمتّع بوجودك " فاحتججت :" ومن أدراك أنّي لا أتمتّع بوجودي ؟ " ولكنّه كان لجوجا لعينا حيث قال : " أنت تقتل كلّ مشاعرك وطموحك وما وهبك الله من طاقات وتتظاهر بالورع والتّقوى في حين أنّك ترنو إلى الملذّات ولا تجرؤ عليها ، فتعاني الفقر والحرمان وتكدّ طوال يومك من أجل دراهم لا توفّر لك سوى زهيد العيش في حين ينعم غيرك بكلّ ما لذّ وطاب ..." ضجرت من حجاجه ولعنته ولكنّه أصرّ على أن يأخذني في جولة معه لأكتشف أمورا ما عرفتها يوما ...
والحمد لله صحوت على صوت زوجتي توقظني لأداء صلاة الصّبح قبل أن أقصد مكان عملي ، فقصصت عليها رؤياي فاستعاذت بالله من الشّيطان الرّجيم ، وأسرعت إليّ بكأس ماء ، فشربت منه وحمدت الله على نعمته وعلى السّلامة من عبث الشّيطان .
انتهت

*~* عالق في الطّريق *~*

السّاعة بمعصمي تشير إلى الثّالثة صباحا ونيف ، واللّيل بهيم وقارس البرودة ، كنت أسوق السّيّارة وزوجتي وابنتيّ يرتعدن ، لست أدري ، أمن البرد أم من خطر مجهول قد يظهر في كلّ لحظة ،كنت أقود بشيء من الحذر وكأنّي أستكشف عالما مجهولا أو فضاء شحّ بالخلق إلاّ ما قد يمرّ صائتا بين طيّات الظّلام يقود سيّارة أطلق لها العنان ، كنت عائدا من قطر عربيّ إلى بلديّ عبر قطر آخر ، كانت الطّرقات فسيحة ، ولكنّها كانت تفتقد لافتات الإرشاد ، خشيت أن تضيع منّي الطّريق أو أضيع منها فأجد نفسي في مجاهل ، الله أعلم ماذا تخبّئ لي ؟ كانت زوجتي بين الفينة والأخرى تهمس معاتبة : "ألم أقل لك من البداية أنّه كان علينا أن نركب الطّائرة فهي أسرع وآمَنُ " فأهزّ رأسي مطمئنا ، وما قادني إلى هذه الرّحلة الشّاقّة سوى رغبة في اكتشاف بلاد أحبّها ومعرفة أهلها ومعرفة بعض عاداتهم، لقد أخبرتها ذلك منذ البداية ، ولكنّها لم تقتنع بسداد رأيي ولكنّها انصاعت لرغبتي أو لعلّها وجدت بعض هوى في نفسها ، كانت طريق الذّهاب آمنة حيث سرنا في النّهار ، وكنّا في كلّ بوّابة نتوقّف فينظر العون إلى زوجتي أكثر من نظره إلى ما طلبه من ورق ، لكن أصررت على العودة ليلا لاكتشاف أمر قد يكون حدسي ساقني إليه فلبّيت صاغرا ، أعلم أنّ اللّيل وحشة وظلام ولكن ، أيضا ، هدوء وسكينة ، وعالم سحريّ ... لاحت لي على البعد نقطة مضيئة تفصلني عنها قنطرة فحدّثتني نفسي بالاسترشاد منها ، قطعت القنطرة ، وأرسيت ركوبتي أمام المكان ، تركت زوجتي وصغيرتيّ ودخلت ، فإذا شابّان يتدفّآن على موقد وأمامهما سلاحان من فئة "الكلاشنكوف" ، سلّمت فردّا التّحيّة ثمّ سألت عن طريق العودة فاستفسرني أحدهما عن المكان الّذي جئت منه ، أخبرته ، فثارت ثائرته وانفجر بركانا من غليظ القول وكريهه ، ونعتني بالحمار والبغل ، وما عنّ له من قاموس حيوانيّ ركيك ، لم يوقفه إلاّ سؤالي عن سبب هذا العزف المنفرد ، فأخبرني بأنّي مررت من قنطرة يمنع المرور فوقها ، ثمّ وجّه لي تهمة تخريب وطنه مهدّدا إيّاي بحجز قد يستمرّ شهورا ، خرج مرافقه يستطلع السّيّارة فعاد كمن اكتشف كنزا وألقى لزميله : " معه حرمة وبنتين " فلمعت عيناه وكأنّه اكتشف أمرا عجيبا ، ثمّ اصطحبني إلى الخارج مسترشدا عن هويّة مرافقتي ، وراح يستطلع فيها ، ثمّ قال لي : " رأفة بزوجتك وابنتيك سنعوّض الحجز بغرامة ماليّة بثلاثمائة جنيه " احتججت فخفّض المبلغ إلى المائة ولكنّي رفضت فنزل به إلى ثلاثين جنيها ، مددتُ له المبلغ صاغرا ولسان حالي يقول : " دفع الله ما كان أعظم " تسلّمها فطالبته بوصل في المبلغ فثارت ثائرته وعاد إلى ذلك العزف المنفرد متّهما إيّاي ووطني بالارتشاء أمّا هو فشريف ولكنّه لا يسلّم وصلا ، جاملته بأدب فهدأ ، ولكن لم يسلّمني الوصل ، ثمّ أرشدني إلى الطّريق ، فركبت سيّارتي وأنا ألعن اللّحظة الّتي فكّرت فيها في الاسترشاد منهما، وأطلقت العنان للسّيّارة وكأنّي طير غادر القفص لتوّه ، ورحت أطوي الطّريق ، وكأنّي في سباق سيّارات أو كأنّي أسعى إلى ما هو آت ، وبعد مسير ساعة ونيف وجدتني في مفترق طرقات أشبه ما يكون بمتاهة ، فلا لافتات ولا هم يحزنون ، واستبدّت بي حيرة،وقفت عند المفترق ، غادرت السّيّارة لأدخّن سيجارة من نوع " كليوباترا " كنت أتأمّل المكان لعلّي أظفر بمرشد أو مساعد ، لكن لا حياة لمن تنادي ، فجأة لاحت سيّارة تشقّ عباب الظّلام فاستبشرت وقلت في نفسي : "جاء الفرج" أدركني سائقها فتوقّف في فرملة شديدة دون أن أشير إليه ، ونزل منها شبّان في مقتبل العمر، دعوني إلى رفع يديّ والانحناء على السّيّارة ، وراحوا يتحسّسون جيوبي وملابسي ، وذهب أحدهم ينظر من بداخل السّيّارة ، ألقى إليّ أحدهم : " خيرك ؟ فيه ورق " مددت يدي إلى جيب معطفي واستللت ورقي وورق السّيّارة وناولته إيّاها ، استعمل مصباحا لإنارتها وبعد قراءة مستعجلة عاد إلى قاموس السّبّ والشّتم متّهما إيّاي بالتّجسّس على وطنه ، لفائدة قوّة امبرياليّة تمارس سياسة التّجويع على شعبه منذ سنوات ، حاولت إقناعه بكون زيارتي كان من بين أهدافها كسر قيود الحصار والوقوف إلى جانب إخوتي، ولكن ، لم يكن في جعبته سوى معجم من رديء اللّفظ وغليظه ، ودون كثير تفكير أصدر حكمه عليّ بالحجز ثلاث سنوات ، احتججت بأنّ مثل هذا القرار لا يتّخذ جزافا هكذا ، فزاد في قذاعة لفظه متطاولا على البلد الّذي أنتسب إليه معلنا أنّه في وطنه " الشّعب يحكم نفسه " دون رجوع إلى القيادة بل تطاول على قيادة بلده بالسّبّ ، واستمرّ الحال هكذا لدقائق طالت ولكنّي من غضبي لم أجد جرأة ولا شجاعة للنّظر في معصمي ، وما قطع هذه الحال سوى سيّارة فخمة أرست بجانبنا ونزل منها رجل في الأربعينات من عمره ، فواجه الشّباب مقدمه بتحيّة عسكريّة، استرشد الأمر فأخبروه أنّهم قبضوا على جاسوس بصدد التّجسس على منطقة نفطيّة ، سحبني بعيدا عنهم وسألني خبري ، فأعلمته بحقيقة الأمر ، فواساني بكلمات مهذّبة معتذرا بقلّة خبرة هؤلاء الشّباب ومحدوديّة زادهم المعرفيّ والثّقافيّ وتجربتهم بالحياة ، ثمّ دعا أحدهم إلى مدّه بأوراقي ودعاني إلى ركوب السّيّارة واتّباع سيّارته ، وسرعان ما امتطاها وغاب في الظّلام ، قلت في نفسي : "استجرنا من الرّمضاء بالنّار" أطلقت عجلات سيّارتي بأقصى سرعة لكنّي لم أفلح في اللّحاق به ، وبعد مسير زهاء نصف السّاعة ، وجدته وقد أرسى على حافة الطّريق ، نزلت فدعاني إلى الرّكوب بجانبه ، وكان شديد التّهذيب إلى درجة أخجلتني من نفسي ، مدّ ورقة وقلما وكتب " يرجى مساعدة الأخ ... وتيسير عبوره " ثمّ ناولني إيّاها رفقة أوراقي وأراني الطّريق ، ورجا لي السّلامة واعدا بالاتّصال بي حال نزوله ببلدي ، فركبت السّيّارة وكانت عينا زوجتي بهما حيرة وحسرة ، فواصلت طريقي بسلام حتّى وصلت حدود بلدي فسَرَتْ في نفسي قشعريرة لا يعرفها إلاّ من غادر مشاهدة شريط سينمائيّ من أفلام الرّعب أوّل مرّة في حياته ، ورغم كلّ ذلك اعتبرت وزوجتي أنّ السّفرة كانت مفيدة جدّا لنا .
انتهت

النقلاب الدّيمقراطيّ


السّاعة نزلت بأرض الوطن بعد غيبة سنين عشر قضّيتها بين طلب العلم وطلب الرّزق أدرس في السّاعات الصّباحيّة وأتفرّغ للعمل ، ضّيتها مطاردا من اليمين ومن الشّمال ، فإن التفتّ هنا وجدت الحاجة ثعبانا يتربّص بي وإن التفتّ هناك وجدت عيونا ترقب عودتي حاملا أفضل الشّهائد الّتي تسلّمها الجامعات الباريسيّة ، سيسألني الأهل والأحبّة عن المؤهّلات الّتي عدت بها وستسألني عينان فيهما سموّ الأنثى وعفّتها عن نتيجة تخلّيّ عنها بعد حبّ جمعنا سنوات البراءة والطّهر ، وعندما راسلتني لتعلمني أنّ هناك من تقدّم لخطبتها ، أجبتها إجابة بتراء : "سلمى وافقي ، فطريقي شائك وطويل " وكتمت ما يعتمل بي من براكين لتقطع أملها منّ ، فقطع الأمل وسلوك طريق جديدة أفضل من انتظار يدمّر الكائن من قدمه إلى رأسه ، أردت أن أطمئنّ عليها ولكنّها ستظلّ ساكنة في أحشائي حلما لذيذا حتّى يرث الله الأرض ومن عليها ...ما أجمل أن تريح إنسان من مرارة وعذاب الانتظار ، انتظار من قد يأتي وقد لا يأتي ... بهذا الإحساس أجبتها ، ولم أردّ على رسائلها التّالية ولتقل ما تقوله ، لتنعتني بالجبن وبالخيانة وبكلّ ما يسمح به خيالها من أوصاف ، فقط أردت لها الرّاحة والاطمئنان ، ولكنّي لم أعرف غيرها ولم أهوَ غيرها رغم مغريات حياة باريس بأنوارها وبشرها ومحلاّتها الّتي يباع فيها كلّ شيء ، ولكن خشية الله وصورتها كانت حصنا بيني وبين كلّ جميلات باريس ... عدت إلى أرض الوطن أحمل الدّكتوراه في اللّغة والآداب العربيّة ، وأيضا أشياء أخرى سيظهر مفعولها مع الزّمن كانت حياتي هناك أشبه ما تكون بحياة الرّهبان في ديْر ، أمرّ على كلّ المغريات في شموخ وتعفّف ، ها أنا أعود ، تعود معي كلّ الأشياء الحلوة ، غادرت المطار ، توجّهت إلى أقرب مقهى ، وجدت طاولة فجلست ، ناديت النّادل وطلبت كأس عصير برتقال طازج ، اعتذر لأنّه لا يتوفّر إلاّ المعلّب ، قبلت على مضض وبي سؤال " ترى لماذا نشرب العصير المعلّب في بلد من منتجي ومصدّري القوارص ؟ " لا يهمّ ، كان صوت رقيق وصورة جميلة ينبعثان من التّلفاز المثبّت أمامي ، وكانت كلمات الأغنية تقول : " أخاصمك آه ، أسيبك لأّه " وتذكّرت طفولتي البائسة وتلك الصّباحات البسيطة حيث كنّا نستيقظ على صوت ملائكيّ لسيّدة الصّباح فيروز ، وأغنيّاتها الرّائعة الجامعة بين روعة الكلمة وروعة التّلحين ورقّة المعاني ورهافة الأداء ، وتذكّرت ذاك الصّديق الّذي هاجر إلى فرنسا فالتقيته هناك ، وكان في قلبه جرح غائر من امرأة تزوّجها ، روى والعهدة عليه ، أنّهما كانا في عيش هنيء ، وفجأة تعرّفت زوجته إلى جارة مطلّقة ، فقلبت حياة أسرته رأسا على عقب ، فصارت الزوجة تطالب بحقّها في التّصرّف في جسدها وأصبح اللّباس المغري يروق لها ، حاول إفهامها ، ولكنّها لم تنتصح اتّصل بأهلها ، فأعانوه ، ولكنّها دعتهم إلى عدم التّدخّل في ما لا يعنيهم ، رفع قضيّة في الطّلاق لعلّه ينقذ ما تبقّى له من كرامة فتمسّكت به وأصرّت أمام القضاة ولكنّها كانت تتوعّده بعد ذلك بكلّ أشكال الانتقام النّفسيّ والجسديّ ، حار فلم يدر ما يفعل ، وبعد تفكير طويل وعميق ، وجد نفسه أمام حلّين فاختار أفضلهما ، وهو الفرار ببقيّة شرقيّ محطّم ، وموهبة في الرّسم ، وانضمّ إلى جماعة " مون مارتر ( 1 ) " وأصبح رسّاما متجوّلا يبيع ما يرسم بمقابل يكفيه الحاجة ، وصلته بعد ذلك برقيّة من أحد أقاربه يعلمه فيها أنّ زوجته رفعت ضدّه قضيّة في إهمال العيال وأنّ عليه الدّفع أو السّجن إذا فكّر في العودة ، وكأنّها تقول له :" أخاصمك آه أسيبك لأّه " تماما كما تقول هذه الأغنية ... جاءني النّادل بكوب العصير ، وورقة صغيرة لدفع الثّمن ، ألقيت نظرة فبدا لي الثّمن مشطّا فهم ذلك من قسمات وجهي ، فأردف ممازحا : " أنت في فضاء راق "استللت ورقة ماليّة من جيبي ومددتها إليه قائلا : " مكان راق ولا شكّ " ثمّ همست : " كم تنال أجرة عن هذا العمل " وليتني ما سألته فالمسكين تلعثم ، ثمّ أجابني فإذا هي لا تساوي ثمن مائة كوب عصير ، تنازلت له عن الباقي ، وأنا أهامس نفسي : " الارتقاء في الأسعار ، أمّا الأحور فهي منحطّة دائما ، ترى لماذا لا ترتقي بدورها ؟ " وتخيّلت هذا النّادل وهو يصاحب زوجته وأبناءه في جولة وأنّ سينفق نصف المرتّب ، وتذكّرت والدي ذاك المربّي الّذي يجلّه رجال القرية ونساؤها وشبّانها وأطفالها ، لم له من مكانة أدبيّة وعلميّة بينهم ، وتذكّرت كيف أنّي كلّما طلبت مالا يجيبني في خفّة روح : " كم للعيال وكم للمجلس البلديّ " وطافت بمخيّلتي أمور كثيرة مثل التهاب أسعار موادّ الطّاقة في الأسواق العالميّة وما رافق ذلك من ارتفاع في أسعار الموادّ الغذائيّة بعد اكتشاف الوقود الحيويّ ، وتصوّرت جائعا يقاتل سيّارة من أجل عرنوس ذرة فابتسمت رغم أنّ الأمر يدعو للبكاء ، فشرّ البليّة ما يضحك أو "قمّة الوعي
الضّحك" ، كما يقول صديقي الشّاعر ، ضحك على الذّقون كذلك الّذي يمارسه المخطّطون لعالم جديد على مقاسهم وحسب مصالحهم ومصالح مواليهم ، وتذكّرت ديمقراطيّة محمولة على دبّابات لا ترحم من يعتزّ بالانتساب إلى أرضه ، وتذكّرت أرض الرّافدين الّتي قيل أنّها قادرة على توفير الغذاء لكلّ العرب من المحيط إلى الخليج ، وكيف تمّ تجويع شعبها باسم الدّيمقراطيّة وحقوق الإنسان والقانون الدّوليّ وقفزت إلى ذهنيّ مقولة لأستاذ القانون الدّستوريّ " القانون كشبكة العنكبوت لا تقع فيها إلاّ الحشرة الضّعيفة كالباعوض والذّباب ، أمّا الحشرات القويّة ، فتخترقها وتمزّقها " ... رشفت رشفة من كوب العصير فإذا هو بلا طعم ولا مذاق ، بل هو أشبه ما يكون بماء سيّء المصدر حمدت الله أنّ الأمر لم يتجاوز هذا الحدّ ثمّ انفضت كمن تذكّر موعدا هامّا ، وغادرت المكان ، ركبت سيّارة أجرة أقلّتني إلى قلب العاصمة فإذا النّاس في حركة عشوائيّة تحسبهم سكارى وما هم بسكارى ولكن وقع الحياة عليهم شديد ، فآمنت أن لا ديمقراطيّة إلاّ تلك الّتي يصنعها الشّعب ، ولكن قدر شعبيّ أن يلازم محلّ المفعول به أبدا .
1ـ ـ مون مارتر : أحد شوارع باريس يجتمع فيه بؤساء الفنّانين لرسم لوحات للمارّة بمبالغ زهيدة

ربّ صدفة


اليوم قائظ ، فأشعّة الشّمس تنصبّ على الإسفلت فتحوّله بركانا دون حمم فيتحالفا على جسمي المتعب والعائد من أرض يغطّيها الجليد بعد غربة سنين عشرة ، كنت بالكاد ألتقط الأنفاس فتدخل جثّتي وتزيدها حرارة على حرارة ، كان عليّ أن أفهم هذا منذ غادرت النّزل فلاحظت اقفرار الشّوارع إلاّ ممّن قضت عليهم ظروف العيش الكفاح المستمرّ لمقاومة الفناء ، كنت كلّما رأيت واحدا منهم ذكرت خبر حيّات صحراء بلعمبر الّتي أوردها الجاحظ في كتابه " الحيوان " وأذكر يوم درسنا هذا الخبر مع أستاذنا ووصلنا إلى كون الحياة كفاح وليست هبة، ولكن كان صديقنا عبدالعزيز يضحك من فكرتنا هذه ، كيف لا ووالده يوفّر له كلّ ضرورات العيش وكماليّاته ، فكم من مرّة اشتهيت أن يكون لي قلم في أناقة قلمه أو معطف في أناقة معطفه ، لم أدر من أين يأتي بأشيائه الجميلة ، ولكن آخر مرّة التقيته فيها بلندن ، وكان مصحوبا بزوجة شابّة جميلة تخجل أشعّة الشّمس من ملامسة جلدها الرّقيق، الأكيد أنّها قابعة في مكان ظليل الآن وأنا أحترق بأشعّة الشّمس ووهج الاسفلت ، وأمرّ بكشك بيع جرائد ويدخل أذنيّ غصبا عنّي صوت
مذيع النّشرة الجويّة قائلا : " بلغت درجة الحرارة اليوم في العاصمة سبعا وثلاثين درجة في الظّلّ " ألتفت حولي وأحتجّ في داخليّ " أين هو هذا الظّلّ الظّليل ؟ ! " وأمضي ، وتعتمل بداخليّ أفكار ومشاعر متضاربة وأستحضر لحظات الصّقيع في لندن حيث كنت لا أتجرّأ على مدّ يدي خشية أن تتجمّد ، وأحسّ بشيء من البرد يتسرّب إليّ رغم لفح الهجير ، وأستحضر صورة أمّي يوم سفري وقد دسّت في حقيبتي مصحفا " جزء عمّ " وصرّة من تراب الوليّ الصّالح كي يحمياني في الغربة ، وعند خروجي سكبتْ ورائي قدحا من الماء لأعود سالما غانما ، كما يقول أهل قريتي ، أمّي امرأة طيّبة عاشت
في وسط يخلط بين المتناقضات ، فلم تشعر ببعض التّناقض في سلوكها، على كلّ ، مضيت ومعي المصحف ، وألقيت صرّة التّراب في أوّل حاوية فضلات اعترضتني أمّا الوالدة ، فلم يمض على وصولي لندن سنة وبضع أيّام حتّى وصلتني برقية نعيها ، وددت لو توفّر لي مال لأواكب دفنها ، ولكن ما باليد حيلة ، أقمت لها جنازة صوريّة ، كنت
وحدي في ذلك الرّكن الّذي اكتريته ، أغمضت عينيّ واستحضرت جثمانها ، أقمت لها جنازة هادئة ، صلّيت عليها الجنازة ثمّ واريتها التّراب فتملّكتني "هيستيريا" من البكاء ، كما لم أبك طوال حياتي الماضية بكيت ، وبكيت ولا من معزٍّ ، حتّى بدأت خيوط الصّباح تتسلّل إلى غرفتي الّتي ما بالرّكن غيرها ، فانطلقت إلى محطّة القطار لأتسلّم لفيفة الجرائد الّتي عليّ أن أوزّعها على الشّقق ، وكان هذا عملي الّذي يقيني الحاجة في لندن ، ولكنّه لا يدرّ عليّ إلا ما أستطيع به المحافظة على البقاء . بعد أيّام أتاني نعي أبي هذا الّذي كان ركيزة أستند إليها طوال حياتي الأولى ، وبكيت ، وحوّلت ركني إلى مقبرة ، أستودعها كلّ ذكريات الصّبى الجميل ، كانت شرائط بالألوان تمرّ برأسي ، لأتّقي بها لفح الهجير وأستمرّ .
وفجأة رفعت رأسي فإذا قبالتي بناء جميل تعلوه لافتة كتب عليها بخطّ ديوانيّ " محراب الفنون " وقفزت إلى ذهنيّ ذكريات أخرى حين كنت تلميذا أجد متعة لا توصف في التّعبير عن نفسي برسوم يستغربها مدرّسيّ والأصدقاء لأنّها لا تشبه شيئا ، وكانت تخلخل أدمغتهم فيسخرون منّي أحيانا توقّيا من ظهور عجزهم على استقرائها للعيان ، كنت أعرضها وأرفض الكلام عنها والإجابة عن الأسئلة ، حتّى أنّ أستاذة الرسّم أسندت لي درجة الصّفر مرّة لأنّي رفضت الإجابة عن سؤالها حول ما رسمتُ ، قبلت جزاءها ولم أتألّم، وإنّي إلى الآن لأتساءل : " لماذا لم أتألّم لظلمها ؟ ! ؟ " . راودتني فكرة ولوج هذا المحراب ففعلت ، وإذا نسمة باردة تداعب جلدتي منذ ولج الباب ، وسرت في نفسي شعريرة ، لا أدري أهي نشوة التّخلّص من الرّمضاء أو هي الارتماء في مكان به فنّ ؟
كان المكان مكيّفا إلى درجة أنّي أحسست نفسي قد قفزت من فصل إلى فصل أو من بلد إلى بلد أو من قارّة سمراء إلى قارّة زعموها عجوزا، ولكن عودها ما زال صلبا في الموازنات الدّوليّة ، وفي شتّى المجالات .
كان الضّوء خافتا واللّوحات معروضة بتنسيق جيّد في جوّ يوحي بالشّاعريّة، وتذكّرت تطاولي على كتابة الشّعر ، وكيف قبرت هذه الرّغبة مع أوّل صدّ من أستاذي ، هذا الرّجل طيّب ولكنّه يغار على مملكة الشّعر ، ولا يطرب إلاّ للشّعر القديم وأشعار بدر شاكر السّياب وأمل دنقل وأبي القاسم الشّابيّ وجبران ومحمود درويش ونزار قبّاني ، ويتجلّى ذلك في النّماذج الّتي كان يقترحها علينا في درس العروض كما في سائر دروس اللّغة .
بدأت بتأمّل اللّوحات فإذا كلّ واحدة منها توحي لي بأنّي رأيتها قبلا وهو ما أثار دهشتي ، وقفت أمام لوحة فيها استنساخ رديء للوحة دي فانشي الشّهيرة ، بقيت أبحث عن إضافة صاحب المعرض، لعلّه أراد إضافة فكرة لعمل ذاك الفنّان العالميّ ، بحثت بين التّعرّجات
والألوان ، سبرت أغوار فضائها ، ولكن مخيّلتي لم تفدني بشيء، ونسيت لفح الهجير ، وغصت في اللّوحة ، ونسيت أنّي ألوذ بهذا المحراب من قسوة العالم الملتهب ، وأصبحت أنقد من وفّر لي فرصة ذلك، وضحكت في داخلي على هذا التّناقض وتذكّرت قول الوالد رحمه الله : " تأكلون الغلّة وتسبّون الملّة " ، وما أنقذني من استغراقي ذاك إلاّ يد بيضاء ناعمة امتدّت لي بقائمة بها عناوين اللّوحات وأسعارها وصوت رقيق ينبعث من وجه أليف / غريب : " مراد أهلا ، متى عدت ؟ " ارتفع منسوب الذّهول لديّ ، وتساءلت : "أتعرفني ؟ أتراني صرت نجما من نجوم هوليود دون علم منّي ؟! " واستغرقت في لوحة الذّكريات علّي أجد لهذا الوجه أثرا ولكن محدّثتي لم تبال بذهولي وأضافت : " أما عرفتني ؟ ألم نلتق في لندن؟" وحاولت استحضار كلّ الوجوه العربيّة الّتي التقيتها هناك ، وما وجدت هذا الوجه لا أذكر إلاّ ذاك الملتحي الّذي اصطحبني يوما ليشغّلني عنده فإذا بي أكتشف أنّه يريد توظيفي في أعمال لا تقبلها ذائقتي باسم الدّفاع عن الإسلام لأنّي أومن
أنّ الإسلام دين أمن وسلام ، أو وجه ذلك الّذي أراد أن يشغّلني في أعمال منافية للآداب ولتربيتي ، أو صورة تلك الفتاة الّتي كانت تبحث عن زوج تسكن إليه فاطمأننت إليها ، ولكنّها سرعان ما مجّتني حين اكتشفت تعبي ... دون أن أرفع رأسي أجبت : " للأسف لا أذكرك ، هلاّ ذكّرتني ؟ " فجاءني الجواب منسابا كماء ينحدر من شلاّل شاهق : " زوجة صديقك عبدالعزيز لقد حدّثني طويلا عنك بعدما التقيناك في لندن ، حدّثني عن مواهبك المتعدّدة وعن عنادك وعن تفوّقك الدّراسيّ ، وعن هيفاء الّتي كنت تحبّها ... " وشردت وظلّت تتحدّث وتساءلت في باطني : " عبدالعزيز ، صديقي ؟ ! ؟ " وأتاني صوت من داخليّ : " أمازلت في حقدك الطّبقيّ ؟ تغيّر العالم ولم تتغيّر تحطّم جدار برلين ولم تتغيّر؟ ..." همست :" تشرّفت بك ، أهلا أأنت زائرة للمعرض ؟ أم لذت من حرّ الهجير مثلي ؟ " ضحكت بصوت معتدل وألقت إليّ : " أنا ؟ أنا صاحبة كلّ هذه اللّوحات " عدت إلى القائمة الّتي بين يديّ، قرأت العناوين فإذا هي مستمدّة من معجم رومانسيّ فانشرحت نفسي واطمأننت للسّيّدة زوجة زميل الدّراسة ، ألقيت نظرة على أسعار اللّوحات فعاودني لفح الهجير بلا هجير وقلت في باطني : " عبدالعزيز لم يرث عن والده المال وحسب وإنّما الجشع الطّبقيّ السّاعي إلى استثمار كلّ شيء لتحقيق الثّراء ، حتّى زوجته يريد استثمار قدراتها في الرّسم " وأنقذني من غطرستي صوتها : " أتريد مساعدة ؟ " ثمّ إلى شابّ يمسك آلة تصوير :" تعال والتقط لي صورة مع مراد إنّه صديق عزيز " وتملّكتني الدّهشة لأنّها نعتتني للمرّة الثّانية بالصّديق وألصقت بها صفة العزيز ، رفعت رأسي مبتسما ودسست في تلعثم : " العفو ، هذا لطف منك " التقط الفتى أكثر من صورة وكأنّه صحافيّ يخشى أن يفلت منه حدث هامّ ومضى ، وهمست زوجة صديقي : " سأدعوك إلى الغداء اليوم فلا تغادر ، سأنتظرك ، واصل التّمتّع بلوحاتي، سأعد نفسي في الأثناء لنغادر معا ، يوجد مطعم قريب يقدّم أكلات راقية ، ستكون ضيفي Ok ؟ " لم تترك لي فرصة قبول الدّعوة أو الاعتذار ومضت إلى باب داخليّ مكتوب عليه " ممنوع الدّخول على العموم "
وتذكّرت أنّي من العموم وسأظلّ كذلك ، سلّيت نفسي بمواصلة متابعة الفرجة في اللّوحات مقارنا بين الأصل والعنوان والثّمن ، فتارة أقف أمام إحداها متمعّنا وطورا أمرّ مرور جاهل بكتاب من النّفائس، ولم يقطع عليّ فرجتي إلاّ صوتها : " ها قد أعددت نفسي هيّا لنغادر سأنتظرك في سيّارتي ، أعتقد أنّك لا تملك سيّارة ههه " قلت : " لا أملك حتّى رخصة القيادة " ولكنّها لم تتوقّف لتسمع ما قلت، فقد مضت ، ووجدتني أضع قائمة اللّوحات على مكتب جميل معدّ للغرض وألحق بها وأنا لا أدري لماذا أطعتها أهو الفضول ؟ أم لطفها أم أشياء أخرى ؟ ذهبت بي شطحات الفكر كلّ مذهب ... .
غادرت محراب الفنون ، التفتّ يمينا فشمالا ، ولم أر للمرأة أثرا ، لقد كان المكان خاليا إلاّ من بضع سيّارات راسية ، فاجأتني مقهقهة وقد خفضت بلّور السّيارة المدخّن ، التحقت بها ففتحت لي الباب ، ركبت فغلّقت النّوافذ فإذا السّيّارة كأنّها اقتطعت من المحراب برودة ، انطلقنا وكنّا نرى من بالخارج ولا يرانا أحد ، ولا أدري كيف سمح لها بهذا البلّور الممنوع قانونا ، ما هي إلاّ لحظات ، حتّى توقّفت بمكان يوحي لك بأنّك لست في بلد عربيّ
معمار منسّق بذوق ، ولافتات تذكّرك بأجمل محلاّت لندن ، وشارع نظيف ... دخلنا مطعما ، كلّ ما فيه يوحي بطابع غربيّ ، الأضواء الخافتة ، التّكييف كيفيّة وضع الطّاولات والكراسي ، وعناقيد الزّهور المتدلّية في كلّ مكان وصور بعض نجوم هوليود ونجوم كرة القدم العالميّة وصوت الموسيقى الهادئة المنبعث من مكان هادئ في غناء أمريكيّ " Hotel California" لفرقة لا يحضرني اسمها الآن ، جلسنا إلى مائدة منزوية ، نظرت إليّ مضيّفتي وقالت : " أكيد أنّك تعوّدت على أكلات لندن وعلى المطاعم اللّندنيّة الفخمة " ضحكت في داخليّ ولم أجبها ، بل أردت تغيير الموضوع ، فتناولت قائمة المأكولات ، ألقيت عليها نظرة ، وشهقت شهقة كادت تكشف ما بداخلي أكلات لمختلف أصقاع الأرض إلاّ وطنيّ ما خلا " الكسكس " وهي أكلتنا الشّعبيّة الأولى ، وأسعار توحي بأنّنا في بلد غير البلد وتساءلت في باطنيّ : " ترى كم على العامل اليوميّ البسيط أن يدّخر من يوم عمل ليستطيع استضافة زوجته وعياله في مثل هذا المكان " ووجمت ، ولكن مضيّفتي أنقذتني من هذا الوجوم : " أكيد أنّك ستختار أكلة غربيّة " أجبتها بابتسام وهززت رأسي موافقا أو قد أكون ساخرا ، ممّا سخرت ؟ لا أدري ! جاء النّادل يسترشدنا الطّلبات فبدأت جليستي ، تسرد قائمة من المطلوبات من مفتّحات وأطباق رئيسيّة ولحوم وأسماك ، وكأنّ المجاعة تطرق بابها سجّل طلباتها ثمّ التفت إليّ مستفسرا ، فقلت : " هات صحن كسكس بلحم الضّأن " ظلّ ينتظرني فقلت له : " هذا يكفيني " فابتسم ابتسامة ماكرة
ومضى ، وانتهزت مجالستي فرصة غيابه : " أتكتفي بهذا ؟ " هززت رأسي بالإيجاب ، فصمتت ، ولعلّها أدركت عدم رغبتي بمواصلة الحديث في الموضوع فقد تعلّمت أنّنا نأكل لنعيش ولا نعيش لنأكل ، وأنّ الغذاء لحفظ بقاء النّوع ولا للتّزيّن ، ككلّ رغباتنا البيولوجيّة ، ولو فتحت هذا الموضوع مع المواطن العربيّ لانعقدت المجالس وانفتحت الحلوق والأحداق وأشياء أخرى . حضرت المأكولات فانصببت على طبقي آكل وأرفع بصري في استحياء بين الفينة والأخرى إلى زوجة زميل الدّراسة الّتي كانت تأكل قليلا من كلّ طبق ، ثمّ ترحل إلى غيره ، وانتابني دوار داخليّ ، وتذكّرت مشاهد المجاعة الّتي تبثّها منظّمة اليونيسيف في بعض القنوات التّلفزيّة ، وتذكّرت أولئك الأطفال الّذين تحاكي أجسامهم الأخطبوط حيث الرّؤوس بارزة والأجسام عظام غلّفها جلد أسود في الغالب ، وتألّمت في
صمت ، كأنّها شعرت بألمي ، فأرسلت ابتسامة في رقّة الزّهور ، رددت بمثلها .
أنهينا الأكل فدعت النّادل ليحضر لنا مشروبا ، طلبتْ عصير فواكه وطلبتُ كأس شاي أخضر ، فابتسم معتذرا ، تفهّمت وطلبت عصير برتقال ، فمضى . تلفتّ إلى زوجة زميل الدّراسة ، ولا أدري أيّ شيطان وسوس لي فبادرتها قائلا : " تصوّري ، إلى الآن لا أعرف عنك شيئا سوى كونك زوجة عبدالعزيز ؟ " ولا أدري أنّي فتحت على نفسي شلاّلا من كلام الفخر المشحون بشيء من التّعالي الأنثويّ اللّذيذ ، فهي تنحدر من أسرة ثريّة أجبرتها على دراسة الطّبّ رغم ميلها الفطريّ إلى عالم الفنون والرّسم تحديدا ، واسمها فاتن ، ولأوّل مرّة أقف على مسمّى يشبه اسمه ، فكلّ ما فيها يوحي بالفتنة ، بياض بشرتها النّاعمة شعرها المنسدل ، أنفها الصّغير المستعلي في استحياء ، عيناها السّوداوان اللّذان يخالطهما حور عجيب يشدّك إليها ، طريقة كلامها وسلاسة لفظها ... تحصّلت على شهادة الطّبّ ، ثمّ تخلّت عن هذا القطاع ولم تمارس يوما هذه المهنة ، صبّت كلّ اهتمامها في الرّسم خاصّة بعدما تزوّجت عبدالعزيز لها محاولات في كتابة الشّعر والقصّة القصيرة والخواطر ، لم تنجب أطفالا وقد اكتشفت أنّ زوجها عقيم ، وعندما علمت هذه المعلومة استيقظ حقدي الطّبقيّ وابتسمت ابتسامة ماكرة ، ولكن صوتا بداخليّ أخمد ذلك وأعاد لي أدبي ، ولا أدري ما الّذي دار بخلدي فجأة ، نظرت إلى ساعتي ، ودعوت النّادل قدّمت له ثمن ما أكلت رغم احتجاجها بكوني ضيفها ، وتظاهرت بأنّ لي موعدا هامّا عليّ اللّحاق به ، رجتني أن أنتظر حتّى توصلني بسيّارتها فأخبرتها أنّ الموعد مع امرأة تثور غيرتها وتعنف كلّما اقتربت منّي أنثى، قالت : " متى نراك ثانية ؟ أريد أن نستضيفك في بيتنا " قلت : " دعي الأمر للصّدفة ، فربّ صدفة أفضل من ألف ميعاد " ومضيت حيث لفح الهجير .
ومن ذلك اليوم لم أرها ثانية ولا عبدالعزيز ، ولا سعيت إلى التقائهما ، ولكن لا أملك تبريرا لذلك إلى اليوم .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
ـ انتهت ـ

لحظة انكشاف


قالت له : ما أفضل كتاب قرأته ، فقال : عينيك .
قالت : ما أعذب أغنية سمعتها ؟ قال : صوتك .
قالت : ما هي أجمل القصائد العالقة بذهنك ؟ قال : كلماتك .
قالت : ما هي أفضل لحظة في حياتك ؟ قال : لحظة ألقاك وأتأمّل فيها وجهك الطّاهر .
قالت : عمّ تندم ؟ قال : عن لحظة تمرّ لا أفكّر فيها بك .
قالت : ما أفضل مكان لك ؟ قال : مكان تكونين فيه .
قالت : ما هي أكبر كذبة سمعتها في حياتك ؟ قال : كونك لا تحبّينني .
قالت : ما أكبر مآسيك ؟ قال : عندما أفكّر بإهدائك وردة لا أملك ثمنها .
قالت : إنّ أكبر كذبة سمعتها في حياتك ليست كذبة بل هي حقيقة يجب أن تصحو عليها .
ثمّ تركته ومضت ، ابتعدت وغابت في الزّحام ولم تلتفت ، تنهّد طويلا ، جمع أشلاء ذكرياته ، أدرك أخيرا أنّ الحياة لا تصنع بالكلمات ، ومضى واعدا نفسه بالنّسيان ، وأوّل ما يجب عليه نسيانه : كونه إنسانا .

ألوان أثوابها .....

ألوان أثوابها..
تجري بتفكيري
جري البيادر في في ذهن العصافير
ألا سقى الله أيـّاماً بحجرته
اكأنهنّ.. أساطيرُ الأساطير
أين الزمان؟
وقد غصَّت خزانتها
بكلِّ مستهتر الالوان معطور
فثمَّ رافعة ٌ للنهد..
زاهية ٌإلى رداءٍ،
بلون الوجدِ مسعو
رإلى قميص ٍ، كشيفِ الكمِّ،
مغتلم ٍإلى وشاح ٍ،
هريق الطيب،
مخمور
هل للمخادع من بعدي كسالفه
اتزهو بكلِّ لطيف الوشي،
منضورِ؟
وهل منامتـُك الصفراء..
ما برحت تفترُّ عن طيِّب الانفاس،
معطير هل أنتِ انتِ..
وهلاّ زلت هاجمة النهدين..
مجلوَّة ًمثل التصاوير؟
وصدرك الطفلُ.
هل أنسى مواسمهُ
وحلمتاكِ عليه،
قطرتا نور.
.وأين شعركِ أطويه..
وأنشُرُهُما بين منفلتٍ حرٍّ.
. ومضفور
إذ المخدَّات جنَّت بسكِّي
رأين الحرائر..
ألوانٌ وأمزجة ٌحيرى على ربوتي.
ضوءٍ وبلـُّلور
ِ..وللغريزة لفتاتٌ مهيَّجة
ٌ لكلِّ منحسر ٍ..
أو نصف محسور
أهفو الى طيبكِ الجاري..
كما اجتمعت على المنابع
أعناق الشحارير..

نزار قباني